سلطان باشا الأطرش وأدهم خنجر وغدر فرنسا

عدد القراءات 51
2020-04-17

بقلم : د. ريم منصور الأطرش

سلطان باشا الأطرش وأدهم خنجر وغدر فرنسا
 
د. ريم منصور سلطان الأطرش
 
دمشق، 17 نيسان 2020
 
                  هبّ سلطان باشا الأطرش مع فرسانه لنجدة يوسف العظمة في معركة ميسلون، 24 تموز / يوليو 1920، فوصل مع فرسانه إلى بلدة براق، إلى الجنوب من دمشق، ولكن المعركة كانت قد حُسِمَت سريعاً، فقال عندئذٍ، خسارة معركة لا تعني الاستسلام للمحتلّين. ولذا، فقد أرسل رسولاً خاصاً، رفيقه حمد البربورإلى الملك فيصل ليقنعه بالمجيء إلى جبل العرب وإقامة الدولة العربية في السويداء والاستمرار بمقاومة الاحتلال الفرنسي تحت راية الشرعيّة الوطنية، فلحق به إلى بصرى فالقدس ثم حيفا، إلا أن الملك فيصل رأى أن الفرصة قد فاتت بعد أن صعد إلى ظهر الطرّاد البريطاني في حيفا إلى منفاه.
 
كان بين سلطان وبين الفرنسيين نزاع دائم، فلم يترك فرصة إلا وأعرب فيها عن عدم رضاه عن وجودهم في وطنه. وهو الذي رفض تقسيم سوريا إلى دويلات مسخ، ورفض إغراءات المحتلّ الفرنسي الذي عرض عليه رئاسة دويلة جبل الدروز! لذلك، حين أعلن بيانه الشهير "إلى السلاح" بعد معركة المزرعة، في آب / أغسطس 1925، قال فيه إنّ الهدف الأول لثورة العام 1925 هو توحيد سوريا ساحلاً وداخلاً، أي عودة سوريا الطبيعية إلى الحياة كما كانت، والهدف الثاني هو الاستقلال.
 وكانت أول سانحة له ثورته الأولى على المستعمر الفرنسي، في تموز / يوليو 1922 حين ألقيَ القبض على المجاهد أدهم خنجر، المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال غورو على طريق القنيطرة بمعاونة الشهيد أحمد مريود. وكان أدهم خنجر قد وصل إلى ساحة القريّا، بلدة سلطان الأطرش، مستجيراً، وسلطان خارجها، إذ كان في بلدة أمّ الرمّان، جنوب القريّا.
أوفد سلطان بعد علمه بالحدث وعودته إلى بلدته، شقيقه علي إلى السويداء لمقابلة الضابط الفرنسي ترنكا، لإطلاق سراح أدهم خنجر! لكنّ ترنكا قال لعلي الأطرش بسخرية، إنه في قلعة السويداء، فليذهب سلطان ليأخذه!
            حين لم يُستَجب طلبه، خرج سلطان ورجاله لإطلاق سراح ضيفهم، فهاجم مع رفاقه الخيّالة الفرنسيين بالسلاح، وكانت معركة "تل الحديد" ضد المصفّحات الفرنسية التي ولّت الأدبار أمام فرسانه، فعطّلوا اثنتين، وقُتِلَ فيها الضابط بوكسان وثلاثة جنود آخرين، وأُسِرَ أربعة. وحاصروا السويداء والقلعة!
وصل وفد المجلس المحلّي إلى تل الحديد، وسيطاً ومُرسَلاً من الفرنسيين، حاملاً وعداً "بشرف فرنسا" بتسليم سلطان أدهم خنجر، شرط فكّ الحصار الذي ضربه الثوار على السويداء وقلعتها وتسليم الجنود الأربعة الأسرى!
يقول سلطان الأطرش، بما معناه، "صدّقنا الوعد واعتقدنا أنّ الفرنسيين يحترمون شرف أمتهم، فسلّمنا للوفد الأسرى ورفعنا الحصار، بانتظار تنفيذ الوعد، لكنها كانت خديعة"! واكتشف الخديعة في أثناء عودته ورفاقه إلى بلدته، فبدأ الطيران بقصفهم لقتلهم، ثمّ دمّر بيته في القريّا!
             كانت هذه انتفاضته الأولى التي دامت تسعة أشهر خلال العام 1922 وذلك رفضاً للاستعمار وتكريساً لتقاليد العرب الأصيلة في حماية الدخيل وصيانة الضيف. فحكم عليه الفرنسيون بالإعدام. فلجأ إلى الأردن. ولما عجز الفرنسيون عن القبض عليه، أصدروا عفواً عنه وعن جماعته. فعاد إلى السويداء في 5 نيسان / إبريل 1923 ، واستُقبِلَ استقبالاً شعبياً كبيراً في غمرة زغردة النساء.
إثر عودة سلطان الأطرش من الأردن، قدّم له الضابط الفرنسي كاترو مبلغ ألف ليرة ذهبية تعويضاً عن هدم داره، لكنه رفضها رفضاً قاطعاً.
وحين سُئِلَ عن إعادة إعمار بيته، قال لسائليه: " إن الدار التي لم تستطع حماية أدهم خنجر لا تستحقّ أن يُعاد بناؤها".
  وبالفعل، ترك ركام البيت على حاله، في غرب بلدته القريّا، ثم بعد فترة، بنى له بيتاً في شرق القريّا!
             بقي سلطان حتى آخر يوم من حياته متحسِّراً على تمكِّن الفرنسيين من خداعه، وتالياً على عدم تمكّنه من إنقاذ الشهيد أدهم خنجر. لكنه تعلّم ألا يثق "بشرف فرنسا"، لذلك، بعد انتصار الثوار في معركة المزرعة في 2 و 3 آب / أغسطس 1925، وضع شرطاً واضحاً بإطلاق المعتقلين والمنفيين من شباب الجبل مقابل تسليم الأسرى الفرنسيين!
   لم يتنازل سلطان الأطرش عن أي مطلب من مطالبه وهي إعادة توحيد سوريا الطبيعية واستقلالها الناجز. واستمرّ بدعم قضايا العرب الكبرى بعد الاستقلال وعلى رأسها قضية فلسطين والقدس والجولان وكافة الأراضي العربية المغتصبة.
 
أثارت أخبار معركة تل الحديد لتحرير أدهم خنجر من الأسر لدى الفرنسيين في قلعة السويداء في العام 1922 المشاعر الوطنية الصادقة في نفوس المغتربين، فنظم الشاعر القروي، رشيد سليم الخوري في البرازيل قصيدة رائعة بهذه المناسبة بعنوان "سلطان باشا الأطرش والتنك" (المصفّحة)، صوّر فيها حادثة الهجوم الصاعق على المصفّحات[1].
 
              خففتَ لنجدة العاني سريعاً    *****    غضوباً لو رآكَ الليث ريعا
                                     وحولك من بني معروف جمع *****   بهم وبدونهم تغني الجموعا
                                    وأي دريئة تحمي حساماً     ******     تعوّد في يمينك أن يطيعا
                                   ألم يلبس عداك (التنك) درعاً ****** فسلهم هل وقى لهُمُ ضلوعا؟
                                   ولما صرت من مهج الأعادي *****  بحيث تذيقها السم النقيعا
                                   وثبتَ إلى سنام (التنك) وثباً    *****    عجيباً علّم النسر الوقوعا
                                 فخرّ الجند فوق (التنك) صرعى ****   وخرّ (التنك) تحتهم صريعا
                                 فيالكَ غارة لو لم تُذِعْها     ********        أعادينا لكذّبنا المذيعا
                                 ويا لكَ أطرشاً لما دعينا    *******       لثأر كنتَ أسمَعَنا جميعا
زار الشاعر القروي سلطان الأطرش في القريّا، جبل العرب في العام 1981، قبل سنة واحدة من رحيل سلطان الأطرش في 26 آذار / مارس العام 1982. وكان لقاء حميماً ومؤثِّراً.
رحم الله سلطان الأطرش ورفاقه الذين جاهدوا في الثورة السورية الكبرى خلال اثني عشر عاماً، من العام 1925 ( المعارك العسكرية الأساسية) إلى العام 1937 (حرب العصابات والمنفى) والمقاومة التي تمثّلت برفض تسليم السلاح وبالاستمرار في درب النضال حتى تحقيق الاستقلال. لقد حلموا بوطن مستقلّ عزيز. نتمنى أن نكون اليوم على مستوى حلمهم، فننجز جلاء قادماً يمحو الاحتلالات المستجدّة التي غزتنا، كفيروسات المخرّبين والغرباء والجهل والفساد!
لقد أوصى سلطان على مدى حياته وبعد رحيله، في وصيّته السياسية، بالحفاظ على استقلال البلاد الذي سالت في سبيله دماء طاهرة!
            
 إنّ الأمم المتحضِّرة، التي تحترم تاريخها، تستعيد، في ذكرى يومها الوطني في عيد الاستقلال، أحداثاً هامة، بكلّ ما فيها من مباهج ومآسٍ، مسترجعةً صورة أمتها الحيّة وذاكرتها التي حقّقت النصر على الاستعمار، فنالت استقلالها بدماء أبنائها وتضحياتهم، وبتضحيات قادتها، الذين استشرفوا قبل غيرهم ما يجب أن يكون عليه مستقبل أمتهم، فقادوا حركات التحرّر، فباتوا رموزاً وطنية تُحتَذى...
لذلك، ومهما تجاهل بعض الإعلام ذكر القائد العام للثورة السورية الكبرى في يوم الجلاء، فحضوره في الذاكرة الجمعية السورية، بل العربية، وفي ضمير أبناء العروبة، لا يزال متوهّجاً، وسيبقى كذلك إلى الأبد!
 
سلطان الأطرش، رحمك الله قائداً ذا رؤية ثاقبة ومستشرفة للمستقبل.
رحمك الله يا جدّي ورحم رفاقك المخلصين ورحم شهداء ثورة الاستقلال وشهداء أمتنا العربية!
 


[1] انظر موقع سلطان باشا الأطرش الإلكتروني: سلطان باشا الأطرش في عيون الشعر www.sultanalattrache.org

اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :