من أوراقها

عدد القراءات 43
2019-04-24

بقلم : د. ناديا خوست

من أوراقها
إضاءة نقدية للدكتورة ناديا خوست
24 نيسان 2019
المركز الثقافي العربي، دمشق، أبو رمانة

"من أوراقها" واحد من مجموعة من الكتب تتصل به في الأسلوب والجوهر. تتناول فيها الباحثة الدكتورة ريم الأطرش الموضوع بدقّة علميّة. تعتمد مصادر البحث الموثوقة، وتسعى إلى شهادات ميدانية. كتابها عن الحرير السوري، مثلاً، من المراجع عن الحرير . يُلاحَظ في كتبها الأدبية طريقة عمل الباحث، وأثر الرؤية التي ربّتها في أسرة سلطان باشا الأطرش، جامع السوريين بشعار صاغ وجدان أجيال سوريّة، منها جيلنا: "الدين لله والوطن للجميع".
بُنيَت على هذا الحجر الأساس مشاهدُ كتاب الدكتورة ريم الأطرش، "من أوراقها". هو إذن مُشَيَّد على الترابط بين أشخاص متباينيّ الدين، يجمع بينهم حُبّ مؤسَّس على التفاهم الإنساني وتشابُه الطباع، وعلى التعايش الاجتماعي، لكنه حُبّ مستحيل، يمنعه القانون السوري ويُبيحه القانون الأوروبي.
تذهب الكاتبة إلى الحدّ الأقصى. فالرجلُ رجلُ دين، ذو جبّة, والشابة تؤمن بأنّ الدين لله والوطن للجميع. عاش كلّ منهما في مدينة تناقض مدينة الآخر. مدينته "هو" عمرها آلاف السنوات، لكنّها تقسّم عمارتها على أساس مذهبي. مدينة مغلقة، مع أنها على شاطئ بحر مفتوح على المدى. ومدينتها "هي" عريقة، عمرها آلاف السنوات، دون بحر، ألِفَت استقبال القوافل واستضافة الغرباء الذين قصدوها تجاراً أو محبّين، وسحرتْهم بأحيائها القديمة، ولم تتميّز عمارتها بالفصل بين الأديان. يتأثّر "هو"، الرجل، بمدينتها التي يُنقَل إليها، وكأنها تُعديه بمبدئها، "الدين لله والوطن للجميع". لكنه يبقى مقيَّداً إلى واجبه الديني أو وظيفته الدينية. تعمِّق الكاتبة الحُبَّ المستحيلَ بينهما، فيخرج من مدينتها لحظة دخولها إليها! وتُباعِد بينهما المصادفات، ثم يلتقيان في مدينة جنوبية، نُقِلَ كلّ منهما إليها ليؤدّي فيها عملاً. هناك، ينبّه إلى تمايز كلّ منهما من الآخر نوعُ الاحترام الذي يلقاه كلّ منهما. فلها من الطلاب القرب والامتنان، وله منهم تقبيلُ اليد الذي يوحي بطاعة رجل الدين. لكنّ الكاتبة التي ربّت رجلَ الدين القادم من مدينة مغلقة مقسَّمة، على ثقافة مدينة منفتحة، قرّبت أحدَهما من الآخر بالطباع والتفاهم. ولجأت إلى الحُبّ الصوفي لتتجاوز المستحيل الذي يفرّقهما. فبدت داعيةً إلى الإيمان بالحُبّ الذي يهِب ولا يطلب، ونسجت عاطفة ناعمة بين شاب وشابة متشابهَيْن وممنوعَيْن من تجاوز التمايز الديني. ولبّت رغبةَ كلّ منهما في الاطمئنان على الآخر بالاتصال بالتلفون، ونسجت على أسلاكه علاقة بديلة.
لكن، هل تُقبَل تلك العلاقة الصوفية؟ يبدو لنا أنها قصدت أن تقابلها بواقع آخر. فزميلتها الطبيبة مريم لا تخرق فقط التباين الديني، بل التباين القومي أيضاً. تلتقي مريم بإيميليوس مع أمها التي ورثت بيتاً في اليونان، وقرّرت العودة إلى أصولها اليونانية. بمساعدة المحامي إيميليوس، وجدت مريم عملاً وسكنت مع أمها في جزيرة سياحية يونانية. قرّبت الألفة وتشابه الطباع الشابين. وبُنِيَ اختراق التمايز الديني والقومي على الإيمان بأنّ البشر يتمايزون بالمنظومات الفكرية الأخلاقية والرؤية السياسية، لكنّ التنوّع القومي والديني لا يفترض الفصل أو العداوة بين البشر، بل يفترض اجتماع المتماثلين بالفكر والطباع. وبيّنت أنّ الاختراق لم يُتبِع أحدهما بالآخر، لأنّ القانون الغربي المدني يبيح زواج المتباينين. واجتماعهما ليس التحاقَ ابنة المدينة العريقة بابن الحضارة اليونانية، بل بالتحاقهما معاً بسوريا التي تعاني من حربٍ، أحد وجوهها تفكيك الوطن بتقسيمٍ طائفي مذهبي. في هذا السياق، ثبّتت الكاتبة موقفها من الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، وشيّدت هناك الجدار الحقيقي.
أعاد الانتماء الوطني الطبيبةَ مريم إلى دمشق لتشارك في إسعاف ضحايا الحرب، ورفدها بزوجها الذي قاسمها حُبّ مدينتها والموقف من الحرب. فأصبح المهجر اليوناني منتجعاً لا يُسمّى اغتراباً. وكأنّ الكاتبة قصدت الردّ على إغراء الهجرة، وعلى تفكيك سوريا على أساس طائفي وقومي، بتثبيت شعار الثورة السورية الكبرى "الدين لله والوطن للجميع". هكذا تستمرّ وارثةُ قائد الثورة السورية في مسار أجدادها التاريخيين.
يبدو لي أنّ "من أوراقها" عمل يُكمِل مجموعة الكتب التي نشرتْها الدكتورة ريم الأطرش، ومنها العمل الوثائقي الذي يضمّ أوراق سلطان باشا وابنه منصور، وأنه أولاً، يملأ بعض الفراغ الفكري الذي لاحظه السيد رئيس الجمهورية، وشاهدناه في تخلّف التعبير الثقافي عن بلاغة الدفاع الوطني. وثانياً، أنه أكّد الثوابتَ التقليدية السوريّة، واستنقذ الودّ الذي أسّس الدماثة السوريّة الشعبيّة. مع أننا نتساءل هل الودّ الذي ميّز العلاقات بين المكوّنات السوريّة هو الحُبّ الصوفي الذي يبثّه عمل الكاتبة الأدبي، أم تجسيد واقع يحترم الاختلاف ولا يُجيز الاختراق في الوقت نفسه، ويثبّت مقابله واقعاً متقدّماً عليه مارستْه الطبيبة مريم بحماية قانون آخر؟
يبدو لي أنّ ثقافة الكاتبة التي تناولت أسسها الواسعة من التربية الأُسرية، ومن الدراسة والعمل البحثي ونوافذ اللغات التي أطلّت منها على ثقافة أخرى، وفّرت لأوراقها معرفةَ المهندس الإسباني أراندا الذي أحبّ دمشق وخطّط محطة الحجاز، وتزوّج وعاش ودُفِن في دمشق؛ ومعرفةَ الشعر الصوفي وتذوّقَه. ولا شكّ في أنها اطّلعت على لقاء ابن عربي بفتاة استهوته في الحج، وعلى جملة محفورة على حجر تدمريّ قبل الإسلام، يذكر الإلهَ الرحمن الرحيم. لذلك قالت لأحد الأصدقاء إنها "درزية أورثوذكس".
"من أوراقها" إذن، أحدُ الأجوبة الثقافية على مشروع تفكيك سوريا بصراع ديني. في هذا السياق، نلامس علاقةَ الأساس الفكري بتجسيده الأدبي، ومهمةَ الأدب الكبرى في تربية الذوق والفضائل الأخلاقية وتناول الموضوعات الاجتماعية والوطنية. ويقع هذا في سياق القاعدة: لا نجد نصاً أدبياً خالداً دون تعبير عن منظومة فكرية، وتطلّعاتٍ وأحلام كبرى.
لكنّ الأفكار تولد لابسةً لحمها وتكتمل ملامحها خلال العمل الفني المعماري. نكسب مهارتنا المعمارية بعمل طويل بعيد عن ضجّة الإعلام. لذلك نتأمّل أحلام الدكتورة مريم، الطبيبة التي تهوى الأدب، بالفوز في مسابقة القصة. تصوّرت مريم متعة الشهرة وطارت حتى الحلم بجائزة نوبل. فكأنها شهادة على الأوهام التي تصوّر أنّ عملاً أدبياً ناضجاً مكتملاً يمكن أن يولد دون خبرة طويلة في الصياغة، ودون أن تسبقه أعمالٌ يحبو بها الكاتب نحو النضج، ودون فهم متعة العمل نفسه، وخاصةً عندما يجد الكاتب الحلول الفنية لمسائل تواجهه؛ وشهادةٌ على الأوهام التي تغلّف جائزة نوبل وتجرّد الجوائز من أهدافها ومشروعِ مانحيها. فالجوائز اليوم من وسائل إفساد الثقافة، وجرف الفن بعيداً عن المسائل الكبرى.

يوحي لنا "من أوراقها" بالملاحظات الآتية:

1-تبدّلت المسائل بتبدّل المشاريع التي تتناول مصير منطقتنا. كانت الصيغ المتداوَلة التحرير والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية؛ وأصبحت حوار الثقافات، حوار الأديان، وحدة الوطن بالتنوّع. لأنّ المشروع الغربي أصبح: التفكيك على أساس مذهبي وقومي، الدولة الإسلامية، دولة الخلافة. يفرض هذا استعادةَ شعار الثورة السورية الكبرى: الدين لله والوطن للجميع.
2-أصبحت العلاقات الدولية تتحكّم في العلاقات الشخصية. يعبّر عن ذلك ببلاغة قولُ هند لابنتها عن عودتهما من السويداء إلى بيتهما في دمشق: "سنرى نتيجة لقاء بوتين بأوباما"!
3-الإيديولوجيا: يعبّر كلّ عمل فني عن منظومة فكرية يُعدي بها. لذلك اجتهدت المخابرات المركزية منذ سنة 1945 لإقصاء الفن عن القضايا الاجتماعية. في هذا السياق، لُعِنَت الإيديولوجيا، كأنها ليست نسيج الرؤية وحدقة العين. لكنّ الإيديولوجيا، منظومة الأفكار، لا تأتينا جاهزة كأنها تُشرى من مخزن، بل نشيّدها، خلال حياتنا ومشاهداتنا وتجاربنا، بالثقافة والقدرة على الاستنتاج. منظومة الكاتبة موروثة ومكتَسَبة. نراها في حياكة كتبها، تربيةِ أسرتها، واستنتاجِ مَنْ إلى جانبنا ومَنْ ضدنا. لا يقبل المختصّ الغربي مقدمةَ دراستها ونتائج بحثها عن الحرير، لأنها قدّمت الحرير متّصلاً باضطرابات سنة 1860 والتدخل الفرنسي وتدمير حيّ القيمرية، مركز صناعة الحرير السوري. وفي السياق، تستنتج أنّ الحرب على سوريا حرب لأجل الثروات السوريّة. وتستنتج أيضاً أنّ البيروقراطية السوريّة كالبيروقراطية الفرنسية.
4-يؤسَّس الانتماءُ المدهش للوطن والتعلّق بسوريا، ودمشق خاصةً، على نسغٍ ينساب من أسرتها، فجدّها ووالدها سياسيان وطنيان، ويأتي من سعة اطلاعها: تفهم سوريا كمهد للحضارة الإنسانية، ومكانها كحضن للعروبة.
5-تُثبِتُ هذا الانتماء المدهش للوطن بالرغم من معاناتها فيه: سُلِبَت حقّها في المسابقة التي نجحت فيها، وعانى أبوها السياسي من رفاقه، وعانت أمها من قرارات متعسّفة.
6-استُنبتَت "هو و هي" من الرواية الكبرى، رواية حُبّ جمع أمها وأباها واخترق جدار المذاهب، لكنه لم يمحُ انتماء أيّ منهما لمذهبه. وتحمّل كلٌّ منهما عقوبةَ الاختراق أربع عشرة سنة.
7-يضع النص الأدبي الجيد أسئلةً. تثير "من أوراقها" مثلاً مسألة التناقض بين البنية السوريّة المؤسَّسة على التنوّع، المزهوّة به كجامع وطني يؤكّد التسامحَ وغنى تنوّع الألوان. ويؤهّل لصداقة عميقة بين رجال ونساء من طوائف متنوّعة، (وقد شهدنا في الحرب مشاركة رجال الدين المسلمين ونساء محجّبات وغير محجّبات في صلوات في الكنائس). لكنّ التربيةَ التي تؤسّس التنوّعَ تمنع أيضاً اختراقَه بالزواج والإرث وحتى في مكان الدفن. نستنتج أنّ القانون الغربي الذي فصل الكنيسة عن الدولة هو الذي أباح لمريم الزواج من اليوناني الذي أحبّته. دون ذلك، يُفرَض التحاقُ الزوج من أية طائفة بمذهب الآخر المسلم.
8-فنياً: لا يُغلَق الاجتهادُ في الفن، وليس أمام الإبداع بابٌ مغلق. فالأشكال الأدبية تولَد متصلةً بأزمنتها وموضوعاتها. تؤسَّس الرواية الكلاسيكية الكبرى على مخطّط معماري يجعل الرواية عمارةً واحدة مترابطة الأجزاء. ونرى في الرواية الحديثة اجتهادات متنوّعة. "من أوراقها" مجموعة من فصول يبدو كلّ منها مستقلاً، لكنها مربوطة بخيط، وكأنّ أمامنا أبنية متنوّعة بينها ممرّ. وكأنّ الردّ على "هو و هي" يأتي في فصل مريم.
9-تصحيح المعلومة: أ- العلم السوري القديم ذو النجمات الثلاث ليس علم الانتداب بل العلم الذي رسمه الوطنيون السوريون، صيّاغ الدستور. ب- كانت الوحدة مع مصر اندماجية سريعة لم تُراعِ تباينَ ظروف البلدين الاقتصادية والثقافية. وقد ذكر ذلك رفاق عبد الناصر في مذكّراتهم خلال حديثهم عن سياسته العربية.

اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :