العَلمانية

عدد القراءات 316
2017-07-06

بقلم : د. ريم منصور سلطان الأطرش

العَلمانية

تمّ نشر هذا البحث من مركز دمشق للأبحاث والدراسات وبتكليف منه

د. ريم منصور الأطرش

الملخّص

 


تتناول هذه الورقة مفهوم العَلمانية الإشكالي، فبعض الناس توحيديّ الإيمان بالله وبعضهم الآخر تعدديّ الآلهة في إيمانه، وثمة الملحدون و اللا أدريون. واجب الدولة هو ضمان حرية المعتقد لهم والمساواة في الحقوق. فكيف السبيل إلى ذلك؟ نتطرق في هذه الورقة إلى إمكانية أن تصبح العَلمانية، مبدأً في الحياة السياسية للدولة، قادرة على تحقيقه. ونبحث في العلاقة بين العَلمانية والدين، بمختلف رسالاته السماوية، وإمكانية الاعتماد على بعض النصوص الدينية لتدعيم فكرة تطبيق العَلمانية. ونقدم، باختصار، السياق التاريخي لنشوئها.

تحاول هذه الورقة تحديد ماهية الفرد العَلماني الذي لا يميّزه انتماؤه للجنس أو العرق أو اللون أو العقيدة أو الأيديولوجيا، بأيّ ميّزة تجعله يمتلك سلطة يفرضها على الآخرين.

ثم نتطرّق إلى العَلمانية والمجتمع العَلماني، ومقتضياتها الهادفة لترسيخها مرجعيةً للحياة السياسية في الدولة.

ونحاول التركيز على أهمية الفضاء الديمقراطي، الذي لا تستقيم العَلمانية من دونه، وعلى أهم وسائل تطبيقها، وهي عَلمَنة التعليم العام، للوصول إلى تحقيق المواطنة.

 


وفي السياق، نبحث في كيفية تناول بعض مفكّري النهضة العربية، من مسيحيين ومسلمين مشرقيين، وغيرهم، مفهوم العَلمانية في بلادنا.

ثم نتطرّق إلى إشكالية العَلمانية في سوريا، لنبحث في إمكانية تطبيقها في سوريا اليوم، وفي العقبات السياسية والدستورية والقانونية والاجتماعية، وفي ما يتعلّق بالمرأة، وكيفية تذليلها. كما نتطرّق إلى العَلمانية والديمقراطية في المجتمع السوري وعلمانية حزب البعث العربي، ونقدم بعض المقترحات من أجل تطبيقها في سوريا. كما نعطي فكرة سريعة عن اختلاف الدولة المدنية عن الدولة العَلمانية.

نطرح، في الخاتمة، أسئلة يثيرها العالم اليوم، يوضع فيها مصيرُ العَلمانية على المِحَك.

ونخلص إلى أن المَثَلَ الأعلى العَلماني ما يزال يصلح لإعطاء الأملِ مجدداً للجميع في حياة مزدهرة تتحقق فيها المواطنة وتتفتّح فيها قيم الحق والخير والجَمال، ضمن جو من الحرية والديمقراطية.

 


 


الكلمات المفتاحية

 


العَلمانية – حرية المعتقد – المساواة في الحقوق – المواطنة – المَثَل الأعلى العَلماني – عَلمَنة التعليم العام – الحياد الديني - حيادية الدولة – التسامح – الديمقراطية -  مفكّرو النهضة العربية - الحيادة – سوريا - الدستور – قانون الانتخاب – قانون الأحوال الشخصية – المرأة - الزواج المدني الخياري – المؤسسات الدينية.

 


 


 


 


 


 


 


 


مقدمة

 


إنّ بعض الناس موحّدون في إيمانهم بالله وبعضهم الآخر يؤمن بتعدد الآلهة وهناك أيضاً الملحدون وثمّة مَنْ لم يقرروا بعدُ موقفَهم من هذا الموضوع، أي مَنْ نطلق عليهم اسم اللا أدريين. ولكنهم، جميعاً، يجب أن يعيشوا معاً ضمن جو من حرية المعتقد والمساواة في الحقوق، على السواء، وحرية التعبير والمجاهرة بعقائدهم المختلفة. فحرية المعتقد هي على النقيض تماماً من أي نوع من الإكراه في الدين أو في الأيديولوجيا؛ كما أن المساواة في الحقوق تتنافى مع إعطاء قيمة مميزة لأي عقيدة، سواء كانت عقيدة دينية أو عقيدة إلحادية. وهكذا، فعلى السلطة العامة إذن أنْ تكون محايدة على الصعيد الديني، فهي سلطة مشتركة بين الجميع، وبالتالي عليها أنْ تتخذ من الحياد الديني مبدأ لها، غير قابل للمساس، لكنه ضمان لعدم التحيّز. وهكذا، يستطيع الإنسان التماهي في الوطن، إذ يجد كلُّ فرد نفسَه متساوياً مع الآخرين مهما تكن معتقداتُه الروحية والأيديولوجية: ملحدة كانت أم دينية، أم غير ذلك...

أما بالنسبة لمسألة المساواة في الحقوق، فهي تتطلّب إجراءات عادلة في اتخاذ القرارات على المستويات القانونية الأساسية، من أجل  التأكيد على حيادية الدولة.

 


هذا هو تعريف مبدأ العَلمانية بشكل أوليّ... فأي شيء ينبثق عن مجموعة من الناس، حتى لو كانت تشكّل الأغلبية العددية في مجتمع بعينه، لا يمكن فرضُه على الجميع، وبالتالي ليس ثمة من وصاية تكرّس أي امتياز لفئة مجتمعية على أخرى. ففي الدولة العَلمانية، يتمتع الجميع بالسلطة العامة التي تُبرز دائماً ما يوحّد الناس؛ كما يتعلّم كلُّ فرد في المجتمع كيفية أن يحيا قناعاتِه الخاصة بإقصاء التعصّب وإحلال التسامح محلَّه. وهكذا، يؤدي ذلك إلى نفي كل أنواع الامتيازات، بالرغم من الفروق الفكرية، وبالتالي يؤدي إلى تفادي أي عنف يمكن له أن ينشأ نتيجة شعور مجموعة ما بامتياز تتمتع به دون غيرها.[1]


العَلمانية قيمة إنسانية أساسية، وهي تهتم بتوحيد الناس ضمن الدولة، وتفترض تباعداً بين حياة الإنسان الخاصة وبُعدِه العام كمواطن: فهو في حياته الخاصة يتبنّى قناعة روحية، سواء كانت دينية أو غير دينية، ويستطيع أن يحياها بحرية مع الآخرين؛ وبالتالي سيبقى ثمة من خط واضح وفاصل بين الفضاءين الخاص والعام. تفترض العَلمانية الحياد تجاه جميع الأديان والأيديولوجيات، فتؤكد على قيمة الإنسان بصرف النظر عن معتقده الديني؛ كما تؤكد على استقلال الممارسة السياسية واستقلال المؤسَّسات التربوية والصحية والاجتماعية عن الانتماء الديني، واستقلال قوانين البلاد عن الشرائع الدينية؛ وتؤكد أيضاً على استقلال القيم الإنسانية، كالعدالة والمساواة والديمقراطية والحرية، عن المصادر الدينية؛ وتؤكد على استقلال الوظيفة الحكومية عن الانتماءات الطائفية أو الإثنية؛ وبالتالي، فإنها لا تقبل بالفيدرالية الطائفية أو الإثنية.

في الواقع، إنّ النظام العَلماني حاضن لحرية جميع الأديان والمعتقدات، فهو يضمن للمؤمنين ولغير المؤمنين الحق ذاته في حرية التعبير عن قناعاتهم، إضافة إلى أنه يضمن لهم حق تغيير الدين والانتماء إلى دين آخر. وثمة إطار قانوني ينظم كل ذلك، وهو الدستور.


وفي طرحنا لسؤال أساسي حول العلاقة بين العَلمانية والدين، نجد من منطلق تعريف العَلمانية، بأن التحرر العلماني ليس معادياً للدين، كما هو سائد في أذهان بعضٍ منا، بل إنه يحاول التأكيد على التمايز بين الإنسان كَفردٍ وبين الشخص العام وهو المواطن، دون اللجوء إلى أي نوع من العنف. وهذا من أساسيات حقوق الإنسان.


وهنا، يمكن القول بأن عَلمانية الدولة تتلخّص في إمكانية إدارة الناس لشؤونهم الدنيوية، وهو أمر مدني، وليس دينياً، في إطار دولة مدنية، فتجعل بالتالي الدولة حياديةً تماماً أمام عقائد مواطنيها، فتسمح للدين بالنمو والازدهار بعيداً عن القمع، وذلك على عكس الدولة التي تتبنى عقيدة دينية ما، أو عقيدة إلحادية، فتقوم بقمع مواطنيها والمجموعات الدينية المختلفة عن تلك العقيدة المتبنّاة: مثال: المملكة العربية السعودية والاتحاد السوفييتي السابق.


لكنْ، ثمة من يعترض على التأكيد على إدارة شؤون الناس الدنيوية بعيداً عن الدين، محتجين بأن الدين يعزّز الأخلاق، التي لا بدّ منها في إدارة شؤون الناس.

في كتابه، "الأسس الفلسفية للعَلمانية"، يؤكّد الأستاذ عادل ضاهر، على أنّ "المعرفة الأخلاقية فطريّة ولا تحتاج إلى الوحي"[2]. وبالتالي، فإن المعرفة الأخلاقية لا تستوجب بالضرورة المعرفة الدينية، سماوية كانت أم غير سماوية. فالنظام القائم على الأيديولوجيا ذات الطابع الشمولي المطلق، دينية كانت أم غير دينية، لا تمكّن المجتمع من السماح بالتعددية السياسية أو الاقتصادية أو التربوية، وهذا ما يؤدي إلى القضاء على استقلالية الفرد في المجتمع، وبالتالي يقلّص من تفتّح الممارسات الأخلاقية العامة. نتيجة شعور الناس بطغيان تلك الأيديولوجيا.


السياق التاريخي لنشوء العَلمانية


يرد، عن تعريف العَلمانية، في كتاب الأستاذ شبلي العيسمي، "العَلمانية والدولة الدينية"، ما يلي: "هي جملة من التدابير جاءت وليدة الصراع الطويل... بين السلطتين الدينية والدنيوية في أوروبا، واستهدفت فكّ الاشتباك بينهما، واعتماد فكرة الفصل بين الدين والدولة، بما يضمن حياد هذه تجاه الدين، أي دين، ويضمن حرية الرأي... ويمنع رجال الدين عن إعطاء آرائهم... صفة مقدسة، ومن ثم فرضها على الأفراد والمجتمع والدولة."[3]

نشأت العلمانية، كما نعرفها اليوم، في عصر النهضة، في أوروبا؛ وقد نشأت بالتوازي معها دولة المواطنة، التي تعامل مواطنيها دون تمييز بينهم مطلقاً، إنْ كان ذلك في اللون أو العرق أو الدين أو الجنس أو غير ذلك.

بدأ عصر النهضة بثورة فكرية لإصلاح الكنيسة[4]، في العام 1516. ترافق هذا الإصلاح الديني بالدعوة إلى رفض التقاليد وإعمال العقل وتطوير المعرفة. ومع نشوء الثورة العلمية واكتشافاتها، نشأت أيضاً الثورة الصناعية، التي اعتمدت على منتجات الثورة العلمية.


في القرن التاسع عشر، تمّ طرح فكرة انتخاب الحاكم بالاقتراع العام، فنشأ نظام مدني، يتمّ فيه سنّ قوانين تتناسب والعقد الاجتماعي، وهي فكرة فلسفية تعبّر عن الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطنين ودولتهم، وهذا ما أدّى إلى إلغاء تعسف الممالك، التي كانت تعتبر أناسها رعايا، في ما قبل عصر النهضة.


ظهر مصطلح laïcité (العَلمانية)، في فرنسا، في العام 1871. كان قد استُخدِمَ لأول مرة، في العام 1846، من الكاتب والفيلسوف البريطاني جورج هولي أوك (secularism).

لكننا يمكن أن نقول إنّ جذور هذا المفهوم تعود إلى الفلاسفة الذين دعوا إلى التمييز بين الفلسفة والدين، مثل ابن رشد، في القرن الثاني عشر الميلادي.

ولقد جاءت الثورة الفرنسية، في العام 1789، لتجلب معها مجموعةً من الأفكار والإجراءات العَلمانية، منها: "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الذي نصَّ على أنه:

"لن يخشى أحد من آرائه، حتَّى الدينية منها، شريطة عدم إثارة ممارسته لها لأيِّ اضطراب في النظام العام المحدَّد في القانون".

أما في العام 1905 ، فصدر في فرنسا قانون فصل الدين عن الدولة، الذي نصّ على حق المواطنة الكاملة للفرنسيين ووضع حداً لتأثير الكنيسة على المعتقدات والدستور.

في نطاق العَلمانية الفرنسية مثلاً، تمّ إقرار الزواج المدني وإلغاء دور الكنيسة في توثيق حياة المواطنين، وذلك بحصر القيود المدنية في المؤسَّسات الرسمية، وبعدم تحديد دين للمواطن في القيود الرسمية.

وفي مجال التعليم، تمّ إلغاء التعليم الديني في المدارس العامّة، وإبعاد رجال الدين عن التعليم العالي.

ينصّ قانون فصل الدين عن الدولة، في العام 1905، على أنّ: "الجمهورية تحمي حرية المعتقد، وتضمن الممارسةَ الحرة للعبادات بما فيها الصالح العام"[5]. وهو يعاقَبُ كلُّ مَن يحاول، بطريقة أو بأخرى، التأثير على شخص آخر بدفعه إلى ممارسة عبادة ما أو بالامتناع عنها.


من هو الفرد العَلماني؟


الفرد العلماني هو: الفرد الواحد من الشعب الذي لا تميّزه أي حقوق ممتازة عن الآخرين، وبالتالي فهو لا يتمتع بمرتبة أعلى منهم. فلا مسؤولية له عن الضمير العام، ولا سلطة له ليفرضها على الناس، كي يحدّد لهم ما يؤمنون به. من هنا، يمكن أن يكون الفرد العلماني مؤمناً أو ملحداً أو لا أدرياً. وهكذا، فالعلمانية لا تتبنى توجهاً يمنع التدين أو الإيمان، إنما ترفض أي سلطة تنبع من هذا التدين على الآخرين. إذن قضية العلمانية هي مع السلطة لا مع المعتقد الخاص. من حق كل فرد أن يتبنى معتقداً أو لا يتبنّاه، شرط أن يبقيه في حيّزه الخاص ولا يمارس، من خلاله، أي سلطة على الآخرين.


العَلمانية والمجتمع العَلماني


تقتضي العَلمانيةُ إجراءات تشريعية وقانونية تسمح للمواطنين بالتعبير بحرية عن خِيارهم الروحي الذي يبقى شأناً خاصاً بالفرد في المجتمع العَلماني، وفيه يستطيع الجميعُ الاعترافَ ببعضهم بعضاً، دون أن تدّعي أيُ جماعة، حتى لو كانت تمثّل الأغلبية في المجتمع، بأنها تتحدث باسم هذا المجتمع؛ وبالتالي، فهي لا تستطيع الادّعاء بأن لها الحق في احتكار كامل الفضاء العام. فالحياد الديني للدولة العَلمانية في المجتمع العَلماني لا يعني أنها أهملت القيم الأخلاقية، بل على العكس تماماً. فهي قد اختارت حريةَ المعتقد والمساواة في الحقوق للجميع. فالفضاء العَلماني ليس انحيازاً للتعددية الدينية ولا للأحادية: إنه فضاء لا ديني، يتضمّن تعريفاً غير عنصري للمواطنة، كونها رابطاً من الحقوق والواجبات المتبادلة للأفراد، بغض النظر عن الدين والجنس واللون والقومية وغير ذلك من الأمور التمييزية المقيتة. كما تتضمّن تعريفاً لحقوق المواطنة، يشمل الاعتراف بالحريات المتساوية للجميع بما فيها حرية التفكير وحرية التعبير، وبالتالي حرية التدين أو حرية الإلحاد؛ وهذا يشمل، طبعاً، الحقوق المتساوية للمرأة و"الأقليات"، التي لن تعود كذلك في ظل العَلمانية، ضمن إطار المواطنة المتساوية.

ويتضمن المَثَلُ الأعلى العَلماني فكرتين أساسيتين:

أولاً:  الفصل بين المشترك بالنسبة للجميع وبين الحرية الفردية في الحيّز الخاص.

ثانياً:  سيادة الإرادة الحرّة في الحياة المشتركة التي تتميّز بيقظة الضمير وإعمال العقل وتفعيل الأخلاق.

إن الحياة المشتركة لا تعطي للآخر إمكانية الإشراف على معتقد المرء وبالتالي فرض ديانة ما عليه، إنما هذا يتطلّب التقيّد بقواعدِ تعايشِ حرياتنا جنباً إلى جنب.[6]


الاستقلال والمرجعية العَلمانية والديمقراطية


يمكن القول، إذن، بأن العلمانية تتطلب لتطورها مجتمعاً ديمقراطياً ودولة ديمقراطية.

كما تتطلّب المرجعية العَلمانية أناساً ضمائرُهم متحررة، وتكون قادرة على سَنِّ قوانين توحّدهم. وهنا، يأخذ مفهومُ الاستقلال معناهُ التام: فالشعب ذو السيادة هو الذي يضع لِذاتِه قانونَه، وهو ذاتُه منبع القانون الذي يَدين له بالطاعة. وهذا ليس خضوعاً أو عبودية. فمِن أجل أن يكون المجتمعُ الإنساني واحداً، لا بدَّ لأعضائه من الموافقة على المبادئ التي يُبنى عليها: مثلُ تبنّي الدستور بطريقة التصويت الحرّ. إن كلمة عَلمانية تؤكد على الثقةَ بمبدأ سيادة الشعب على نفسه.

تشير الديمقراطية والعَلمانية، بمعنىً ما، إلى فكرة واحدة، وهي سيادة الشعب على ذاته بما أنه لا يخضع لأي سلطة أخرى سوى لتلك التي تصدر عنه.

تستهدف فكرةُ العَلمانية وحدةَ الشعب ذي السيادة المرتكِزة إلى المساواة الصارمة في الحقوق، ومرجعيتُها في ذلك الصالحُ العام - الذي يعطي لكل فرد القدرة على الفعل الخيّر الحرّ- وأفقُها هو الديمقراطية. وبالتالي، لا تخصيص لبعض الناس، أياً كانوا، بسلطة مذهبية: فأنا إنسان ومواطن قبل أن أكون يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً... إلخ، أو مفكّراً حراً.

إن الأفقَ العَلماني هو شعورٌ بالحرية وتصميمٌ على استخدامها استخداماً جيداً؛ وعلى المرء أن يحترمَ حقَ الإيمان أو عدمَ الإيمان وحقَ التفكير مادام ذلك يعبّر عن حقٍ أساسي للفرد. يمكن عندئذٍ لليهودي والمسيحي والمسلم والبوذي والملحد أن يعيشوا معاً بسلام منذ اللحظة التي يصبح فيها الخِيارُ الروحي لكل فرد أمراً خاصاً به، أي لا يدّعي الهيمنة على الفضاء العام. وفي حال قام بهذه الهيمنة، فإن الوضع ينقلب إلى العنف، فيتمّ تهديد حريةَ التعبير الديني نفسها. إذن، من الخطأ وضعُ الحرية الدينية في مواجهة العَلمانية، في الوقت الذي يسير فيه الاثنان متلازمَيْن معاً.


عَلمَنة التعليم العام: أهم وسائل تطبيق العَلمانية


ترتكز العَلمانية إلى ثلاث ضرورات هي: حرية المعتقد والمساواة بين كل المواطنين، أياً كانت قناعاتُهم الروحية أو جنسُهم أو أصلُهم، والتطلّع للصالح العام والخير المشترك للجميع، مبرراً وحيداً لوجود الدولة. وأهم وسيلة لذلك هي علمنة التعليم العام، بدءاً بالمدرسة العامة وصولاً إلى التعليم العالي العام. أما في الدرسة، فيتحقق ذلك بعدم خضوعها لسلطة الدين، كي تصبح بحق مدرسةَ الجميع. هي ليست ضد الدين بل هي مدرسة غير دينية؛ وبذلك، فإنّ المدرسة التي تنتمي للفضاء العام، تترك للحيّز الخاص فسحة واسعة للاهتمام بالخِيار الروحي للفرد. أما التعليم، فيجب أن يكون عاماً، يهتم ببناء القدرة على المحاكمة المتنوِّرة والمتعقِّلة للإنسان. كما يمكن لهذه المدرسة أن تضع أسساً لثقافة مشتركة، أهم اهتماماتها هما العقل والحقيقة. أما منهاجها، فيؤكّد على إعمال التفكير والنقد بحرية مسؤولة، ولا يهتم بالتلقين والتقليد، ولا يؤكّد مطلقاً على دين معيّن أو معتقد معيّن، دنيوياً كان أو غير دنيوي. هذا الفصل بين الدين والتعليم في المدرسة العَلمانية لا يعطي الحقَ لأنْ يحلَّ دينٌ آخرَ أو أيديولوجيا أخرى محلَّ الدين المميَّز الذي تمّ فصله عن التعليم.

إن علمنة المدرسة تحتاج إلى تربية للتلاميذ منذ الصغر، كما أن الديمقراطية تحتاج إلى تربية منذ الصغر في البيت والمدرسة، ولا تأتي هكذا بين ليلة وضحاها.

وفي التعليم العالي السوري، يمكن إلغاء كلّية الشريعة واستحداث معاهد عليا خاصة بتدريس الأديان، غير ربحية، كي يستطيع الانتساب إليها كل مَنْ يرغب في ذلك، فيدرس فيها الطلبة، الشريعة الإسلامية أو اللاهوت المسيحي، بأساليب متطورة تلحظ التفاسير الحديثة للكتب المقدسة في الديانتين المسيحية والإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، كي لا تُبقي الطلبة في وضع فكري متحجّر!


المَثَل الأعلى العَلماني والمواطنة

 

تبقى العَلمانية مَثَلاً أعلى يتيح للجميع، مؤمنين وملحدين، العيشَ معاً دون أن يذِمَّ بعضُهم بعضاً بسبب قناعاته الخاصة. وهو موجود من أجل النهوض بما هو مشترك بين الناس وليس بما هو خاص فقط ببعضهم.

وفي المدرسة العامة المفتوحة للجميع، يتمّ احترامُ حرية المعتقد وبالتالي احترامُ الحيّز الخاص للفرد، فالتربية هي على الحرية وعلى استخدام المعرفة والثقافة المتعقِّلة وشاملة التنوّع، وهذا شرط هام من أجل استقلال الرأي. في الدولة العَلمانية، تخضع الأفعالُ للقانون، المنبثق عن إرادة مجموع الشعب، وبالتالي لا يوجد تمييزٌ بين العقائد رسمياً. فتربيةُ الضمائر على الفكر الحرّ وقمعُ الأفعال التي تعرِّض سلامةَ الحريات للخطر، عن طريق تطبيق القانون، هما محوران متكاملان.

والتسامح مطلوب لمنع الفوضى الناشئة عن اضطهاد المعتقدات، ولمنع العنف المضاد الناشئ عن مقاومة هذا الاضطهاد. فغيابُ التسامحِ هو الذي يسبّب الفوضى. وبالتالي، فإنّ التعددية الروحية تحتاج إلى مساواةِ الناس كلِّهم من حيث المبدأ، كي تنعمَ هذه التعددية الروحية بشرط الازدهار والنمو.

في المَثَل الأعلى العَلماني، ثمة مقامٌ أساسي للعقل، إذ إنه قدرة نقدية بامتياز. وتتحقق إنسانية الإنسان من خلال إعمال العقل، وبالتالي تتحقق المواطنة المرتكزة على حُب القوانين والمساواة، حيث تلتقي بالصالح العام، فيتمّ إظهار الرابط بينه وبين الإنجاز الشخصي[7] . فالمواطن الذي يقوم بإنجاز علمي شخصي لاستخدام الطاقة المتجدّدة، مثل تطويع الطاقة الشمسية للتدفئة و التسخين والإنارة، يقوم بتفعيل مواطنيته في خدمة الصالح العام وتعميم الخير على الجميع.


السياسة والدين

شعب الله المختار

المثال الأهم عن العلاقة بين السياسة والدين، نجده في العهد القديم، في مقولةِ "شعبِ الله المختار" التي أدت إلى القمع والعنف. إلا أنّ هذه المقولة تحمل قيمة تاريخية، وبالتالي فهي نسبية؛ إذن، لا يمكن تبريرُ مشروع الاستيطان الصهيوني من خلالها، كما لا يمكن تبريرُ ظلمِ الشعب الفلسطيني، خاصة وأن مقولة "أحبَ لأخيك ما تحب لنفسك" لا تزال تحتفظ ببعدها الإنساني الحقيقي.

في الكيان الصهيوني مثلاً، نجد أنّ التواطؤ اللاهوتي والسياسي قائم بشكل كبير انطلاقاً من مقولَتَيْ "الأرض الموعودة، وشعب الله المختار"، وذلك عبر تهويد القدس وتوسيع الاستيطان ومصادرة أراضي العرب في فلسطين وحرمان الفلسطينيين من توقّعهم لقيام دولة متصلةِ الأرض وقابلةٍ للحياة اقتصادياً. إذ إن "الأيديولوجيا الصهيونية [تمزج] المفاهيم الدينية بالمفاهيم القومية".[8]

ومن المهم أن نلحظ "أن الصهيونية وُلِدَت ضمن إطار نظريات الفكر الإمبريالي وخططه في العقود الأولى من القرن التاسع عشر في أوروبا".[9]


المسيحية والعَلمانية

المثال الآخر، نجده في العهد الجديد، وهو قول السيد المسيح:"أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"[10]: والقصدُ منه فكُ الارتباط بين السياسة والدين واستقلالُ الأولى عن الثاني. خاصة وأن الدين مسألةٌ روحيّة بحتة لا يمكن دمجُها بالوجود الزمني المحكوم بالسلطة السياسية. وبالتالي، ثمة مملكتان: الأولى مملكة الأرض والثانية مملكة السماء.

لقد وقفت الكنيسة في أوروبا، ضد العلمانية في بداية نشوئها مطالبة بتكريس دورها، سلطةً دينية ومدنية في الوقت عينه، بالرغم من هذه الآية الواردة في إنجيل متى!

لكنّ البحث عن نصوص وممارسات دينية تدعم العَلمانية، قد يكون من العوامل المساعدة على لفت نظر أصحاب العقائد الدينية إلى عَلمانية الدولة. وفي هذا الإطار، يمكن استخدام الآية الوارد ذكرها آنفاً من أجل خلق إجماع أوسع داعم للعلمانية في أوساط المؤمنين المسيحيين الذين لا يزالون يرفضونها.

 


الإسلام والعَلمانية

وفي الإطار السابق ذاته، يعود بعض الكتّاب العرب إلى نصوص دينية، من أجل إظهار عدم تناقض العلمانية مع الدين الإسلامي. فيشار في هذا الإطار إلى آيات قرآنية مثل "لستَ عليهم بمسيطر"[11]، والتي تعني أن الرسول لا يحق له فرض سيطرته على الأمة باسم الدين، وترك أمورها لها لتقرر في شأنها؛ وأيضاً: "لا إكراه في الدين"[12] ؛ و"فمن شاء فليؤمن  ومن شاء فليكفر"[13] ؛ كما يشار إلى أحاديث نبوية مثل: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". إضافة إلى أن عقد "صحائف المدينة"، الذي عقده الرسول محمد في المدينة المنورة مع أهلها من مسلمين ويهود، نص على فصل التشريعات الدينية بين المسلمين واليهود، بينما كانوا يعملون معاً لإدارة شؤونهم المدنية، في ظل الدولة المشتركة؛ وفي ذلك تجسيد لفكرة المواطنين المتساوين الذين يعملون معاً لإدارة شؤونهم المدنية، بغض النظر عن اختلافاتهم الدينية. كما نجد أنّ الرسول لم يختر خليفة له لحكم المسلمين، بل ترك هذا الأمر لهم ليقرروه هم، كونه شأناً دنيوياً وليس أمراً سماوياً.


كيف تناول بعض مفكّري النهضة العربية مفهوم العَلمانية في بلادنا؟


لقد نشأ تيار يسعى للتوفيق بين الإسلام والعلمانية مع رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم، في القرن التاسع عشر، وتطور مع آخرين، في القرن العشرين، منهم الدكتور نصر حامد أبو زيد، اعتقدوا بعدم وجود أي نص ديني يربط الإسلام بالسياسة.


كتب الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801- 1873)[14] كتابه المعروف: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وضّح فيه ما كانت عليه أحوال العلوم التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية في كل من مصر وفرنسا، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، كما أشاد بما أعجبه وانتقد ما لم يعجبه، وعقد المقارنات بين أحوال فرنسا وأحوال مصر التي ينبغى إصلاحها. فقال عن باريس، إنه رأى هناك الإسلام، لكنه لم يرَ مسلمين، وذلك على عكس القاهرة، حيث يوجد مسلمون لكنه لل يرَ فيها الإسلام!


أول مَنْ أطلق شعار، "الدين لله والوطن للجميع"، هو المعلّم بطرس البستاني (1819-1883)، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ردّاً على مذابح العام 1860؛ ولم يكتفِ بذلك، بل أسّس في بيروت، في العام 1863، في زقاق البلاط، مدرسة وطنية عَلمانية مختلطة، ضمن بحر من المدارس الطائفية! كما أطلق شعاراً آخر هو "فصل السياسة عن الرياسة"، أي "فصل السياسة عن السُلطة الدينية"؛ إذ إن غاية الدولة هي دنيوية محضة.[15]


أسّس محمد عبده (1849-1905) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897)، في أواخر القرن التاسع عشر، جريدتهما "العروة الوثقى" في باريس. وقد استخدم محمد عبده كلمة "دهرية" لترجمة كلمة laïcité الفرنسية. وبالنسبة له، فالدولة مدنية وإسلامية: هو يميز بين الدين والدولة، لكن دون فصل ودون اتحاد بينهما. ثمة أقوال للإمام محمد عبده تؤكد على مدنية الدولة: "فالحاكم فيها مدني من جميع الوجوه".[16]

ومع ذلك، فقد هاجم محمد عبده السلطة الدينية من أساسها، لأن الإسلام يرفضها أصلاً، قائلاً: ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، في سبيل الدعوة إلى الخير وتنفير الناس من الشر.

أما المفكر فرح أنطون (1874-1922)[17] ، فقد استبدل العَلمانية بكلمة "الحيادة"، للدلالة على الدولة المدنية المحايدة تجاه عقائد مواطنيها.


كتب الإمام عبد الرحمن الكواكبي، (1855 – 1902)، في كتابه الشهير، "طبائع الاستبداد"[18]، آراء هامّة، منها، أن المسلمين اختلفوا في الدين حين اختلفوا في السياسة. ومن الخطأ المُبين تلازم الدولة والدين. وكان من رأيه ضرورة التمييز بين الدولة والدين، إذ إنه في حال سقطت الدولة، فيجب ألا يسقط الدين[19]. كما أنه رفض رفضاً قاطعاً تدخّل علماء الدين في السياسة".[20]


في كتابه "طبائع الاستبداد"، كتب يقول: "... بين الاستبدادين السياسي والديني مقارنة لا تنفك متى وُجد أحدهما في أمة جرّ الآخر إليه... ما من أمة أو عائلة أو شخص تنطّع في الدين أي تشدّد فيه إلا واختلّ نظام دنياه وخسر أولاه وعقباه... إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي".[21]


ويقول كذلك: "وما هي أرض الدين؟ أرض الدين هي تلك الأمة التي أعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وأفسد أخلاقها ودينها، حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضر على الأمة من نقصهما... نعم، الدين يفيد الترقي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً... التربية ملكة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، فأهم أصولها وجود المربين وأهم فروعها وجود الدين. وجعلتُ الدين فرعاً لا أصلاً، لأن الدين علم لا يفيد العمل إذا لم يكن مقروناً بالتمرين.

والاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجعل الإنسان كل ساعة في شأن، وهو مفسد للدين في أهم قسميه أي الأخلاق، وأما العبادات منه، فلا يمسها لأنها تلائمه في الأكثر. ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر لفقد الإخلاص فيها تبعاً لفقده في النفوس...".[22]


أما في ما يخص الدين، فيقول: "إنما أريدُ بالإسلام: دين القرآن، أي الدين الذي يقوى على فهمه من القرآن كل إنسان غير مقيد الفكر بتفصّح زيد أو تحكّم عمرو... والدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع... فهذه أمم أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والرفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها. دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيَ الأمة، فليحيَ الوطن، فلنحي طلقاء أعزاء".[23]


وفي أهمية عدم التمييز بين الأديان، يقول:"يا قوم، وأريد بكم شباب اليوم، رجال الغد، شباب الفكر، رجال الجد، أعيذكم من الخزي والخذلان بتفرقة الأديان، وأعيذكم من الجهل، جهل أن الدينونة لله، وهو سبحانه وليّ السرائر والضمائر، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة[24]"[25]


وفي فصل السلطات، يقول: "مبحث التفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليم: هل يجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخص واحد، أم تخصص كل وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بها بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، ولذلك لا يجوز الجمع منعاً لاستفحال السلطة".[26]


ما أحوجنا إلى أن نأخذ بما توصّل إليه الإمام عبد الرحمن الكواكبي من فكر علماني نيّر![27]


أما المفكر شبلي الشميل (1850-1917)، فقد أراد أن ينهض، بمجتمعه العربي، علمانياً، بالتأكيد على أهمية العلوم الطبيعية والفلسفة المادية، إذ إن العلم هو غاية التطور في المجتمعات، بشكل عام. عرف عنه بأنه من أصحاب الاتجاه العلماني في النهضة والإصلاح، مقابل الاتجاه الديني في النهضة والإصلاح في الوطن العربي وقتها.

أجرى الشميّل المقارنة بين أوروبا قبل الثورة اللوثرية وبعدها، فتبيّن أن "النهضة التي حصلت لأوروبا في الملاحة والفلاحة والصناعة والتجارة إنما مردّها إلى تلك الثورة الدينية التي فكّت العقل من بعض قيوده".[28]

ويرى الشميّل أن المجتمعات يمكن لها أن تصلح من غير الدين، ومن غير تدخّله في إدارتها وسياستها.

كما يعدّد مساوئ تدخّل الدين في السياسة، من حيث تسبّبه في تأخر الأمم وتعصبها وتباغضها، ومن حيث الحروب التي سبّبها بين الأمم؛ ويُظهر كذلك تقييد الدين لحرية الفكر.

لقد كان شبلي الشميّل مفكراً جريئاً بإصراره على فصل الدين عن الدولة. كما أنه تنبّأ بأن دور الملوك ذوي الحكم المطلق والشمولي سوف ينتهي تماماً في أوروبا، بعد التطور الذي وصلت إليه. ومن الجدير بالذكر، توقّعه لثورة مستقبلية، وهي ثورة العمال والمفكّرين على فساد الحكم واستئثار رجال المال بالسلطة.


بدءاً من أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصدر السلطان محمود الثاني ما سُمِّيَ آنذاك "بالتنظيمات"، وهي قوانين، حاول السلطان العثماني من خلالها فرض المساواة، في الحقوق والواجبات، بين مواطني السلطنة، بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو قوميتهم... فأضحى بإمكان غير المسلم المشاركة في الحياة الثقافية والاقتصادية، إذ سُمِحَ له بارتياد المدارس لتعلّم اللغات العربية والأجنبية. كما أنه تمّ إعلان المساواة أيضاً بين المسلمين وغير المسلمين في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، وكان ذلك يدعى ب "الخط الهمايوني"!

في هذا الجو، وبالرغم من تراكم تاريخ من الاضطهاد، لا شكّ بأن المعلّم بطرس البستاني والمفكّر شبلي شميّل وغيرهما من روّاد النهضة العربية قد كان لهم دور تنويريّ واسع، جعل مسيحيي المشرق يحملون شعلة المشرقية المتنوّرة الهادفة إلى ترسيخ مفهوم المواطنة في الدولة العَلمانية الحيادية.


ويُعَدّ فكر علي عبد الرازق، (1888-1966)، امتداداً لفكر الشيخ محمد عبده، وقد رأى بعضهم أن كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، المنشور في العام 1925، هو دعوة واضحة لفصل الدين عن السياسة. وقد قال في موضوع الخلافة: " والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية. كلا، ولا القضاء ولا وظائف الحكم ومراكز الدولة، إنما تلك خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع منها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. كما أن تدبير الجيوش الإسلامية وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، إنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب أو هندسة المباني وآراء العارفين. لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكوماتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم".[29]


إشكالية العَلمانية في سوريا


هل من الممكن تطبيق العَلمانية في سوريا اليوم؟ وما هي العقبات في طريق تطبيقها: السياسية والدستورية والقانونية والاجتماعية وضمن المؤسسات الدينية؟ وكيف يمكن تذليلها؟ وهل ثمة من تجارب عَلمانية فاعلة طُرِحَت في سوريا في عصرها الحديث؟


يرى بعض الباحثين أنّ: "استثناء أي دولة عربية من العلمانية عنصرية ضد الذات. لا تنس أن العلمانية هي مفتاح الحداثة السياسية. لاديمقراطية دون الاعتراف لجميع المواطنين، رجالاً ونساء مسلمين وغير مسلمين، عرباً وغير عرب، بحقوق المواطنة كاملة: مثلاً حقهم في أن يكونوا ناخبين ومنتَخَبين، لجميع مناصب السلطتين التشريعية والتنفيذية بما فيها رئاسة الجمهورية. فكيف تترشح لها امرأة أو غير مسلم إذا لم يقع الفصل بين الديني والسياسي كما تتطلب العلمانية؟!"[30].


السؤال الجوهري بالنسبة إلينا، نحن السوريين، الآن وهنا، هو: هل العَلمانية مطبّقة في سوريا كما نسمع؟ وهل من الممكن تطبيقها اليوم؟ وما هي العقبات التي تحول دون ذلك؟ وكيف يمكن تذليلها؟


في الواقع، وحسب ما ورد آنفاً من تعريف للعَلمانية في الورقة، نجد أننا في سوريا، إلى اليوم، لم نطبّق العَلمانية، وبالتالي، حتى اليوم، نحن لا نعيش في بلد عَلماني، والسبب الأول هو أنّ دستور الجمهورية العربية السورية ليس حيادياً تجاه مواطنيها؛ فعلى الرغم من أن البند الأول من المادة 42 ينص صراحةً على أنّ: "حرية الاعتقاد مصونة وفقاً للقوانين"، وبأن البند الثاني من المادة 33 ينص على أنّ: "المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون"، وبأن البند الثالث من المادة 33 يقول: "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"؛ غير أن المادة الثالثة من الدستور تناقض كل ذلك في نصها:


المادة الثالثة

1-     دين رئيس الجمهورية الإسلام.

2-     الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع.

3-     تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخلّ ذلك بالنظام العام.

4-     الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.


بالرغم مما هو منصوص عليه في البندين الثالث والرابع من المادة الثالثة، إلا أن الدولة السورية، ليست محايدة أمام العقائد، بل إنها اختارت، حسب البند الثاني من هذه المادة، إحداها مصدراً رئيسياً للتشريع. كما أنها حرمت غير المسلم من حقه في الترشّح لرئاسة الجمهورية، وهذا الأمر منافٍ تماماً لمبدأ المواطنة الذي يساوي بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات وفي تحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين كافةً في الترشح والانتخاب، حتى لا يشعر أي مواطن بأنه من الدرجة الثانية! أما البندان 3 و 4 من المادة الثالثة، وبالرغم من أن الصورة الظاهرية إيجابية فيهما، غير أنهما ينطويان على إرسال إشارات طمأنة ومسايرة قد تصل إلى حدّ النفاق، الذي تمّ تطبيقه منذ عقود في البلاد... فلولا ذلك، لما ميّزت الدولة بين مواطنيها وعقائدهم، فاعتمدت أحد الأديان ضرورةً لمنصب الرئيس... ولو أنها حيادية فعلاً تجاه جميع العقائد، لما تطلّب الأمر ذكر البند 4 ، إذ، حينها يكون لجميع المواطنين قانون واحد وضعي للأحوال الشخصية!


للحفاظ على عَلمانية الدولة وحياديّتها تجاه مواطنيها، نقترح الصياغة التالية للمادة الثالثة من الدستور السوري:

1-       يمكن لأي مواطن سوري، وبصرف النظر عن الجنس أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو الإثنية، الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية.

2-     مصادر التشريع هي القوانين الوضعية فقط، وعليها أن تراعي التطور الذي وصل إليه المجتمع في القرن الحادي والعشرين.

3-     الفصل تماماً ونهائياً بين الدولة والدين، على كل المستويات، السياسية والتعليمية والقانونية وغيرها، وخاصة في قانون الأحوال الشخصية.


ولا بدّ، أيضاً، من إحداث هيئة دستورية تساعد رئيس الجمهورية على حماية الدستور ومراقبة القوانين، تضمّ أصحاب الاختصاص المشهود لهم بالنزاهة والجرأة وعدم النفاق.


أما قانون الأحوال الشخصية في سوريا، فهو مُسيطَر عليه تماماً من الشريعة الإسلامية المتشدّدة، ولا أدلَّ على ذلك من تزويج الطفلة القاصر، بإذن من القاضي، (المادة 18)... وثمة البند 2 من المادة 48 ، الذي ينص على أن "زواج المسلمة بغير المسلم باطل"... وهناك موانع الإرث في المادة 272 بسبب اختلاف الدين بين المسلم وغيره... وبالتالي ثمة موانع لمنح الأم غير المسلمة حضانة طفلها، إلا في حال أشهرت إسلامها...

يعني... أليس كل ذلك عدم حيادية من الدولة تجاه عقائد مواطنيها؟! إذن... انتفت العَلمانية...

إضافة إلى أن التجربة الاجتماعية برهنت على أن غير المسلم يضطر إلى إشهار إسلامه من أجل أن يتزوج بمسلمة، في حالات الحب الكثيرة التي حدثت في مجتمعنا... وبالتالي، ثمة تمييز ضده! وهكذا، تتم المساهمة في تفريغ البلد من المسيحيين استناداً إلى قانون الأحوال الشخصية، إضافة إلى الهجرة وغيرها من أمور تحدث الآن وهنا...

ليس على غير المسلم فقط إشهار إسلامه في المحكمة الشرعية بناءً على طلب القاضي، بل لقد جرى في المحكمة الشرعية في دمشق عدة حالات طالب فيها القاضي، جهاراً نهاراً، الشابَ من مذهب التوحيد، وهو أحد المذاهب الإسلامية، الذي أراد الزواج من مسلمة على المذهب السنّي، النطق بالشهادتين، أي إشهار إسلامه، وهو مسلم فعلاً!! فالتمييز أضحى سمة في هذا المجال!

الحل هو قانون وضعي للأحوال الشخصية، لا علاقة له مطلقاً بالشريعة الإسلامية... وإلى أن نصل إلى ذلك، يمكن إدراج الزواج المدني الخياري حلّاً للزيجات المختلطة، في انتظار إلغاء البند الثاني من المادة 48، في سبيل إيجاد حل لمثل هذه الحالات غير النادرة في مجتمعنا، من أجل عدم خسارة أعداد لا بأس بها من المواطنين غير المسلمين، بهدف الحفاظ على التنوّع المجتمعي السوري المميّز.


العَلمانية والديمقراطية


كما أن فضاء العَلمانية هو الديمقراطية، التي لا تتحقق فعلاً إلا بفصل تام وواضح بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. وهذا غير محقَّق في دستورنا السوري الحالي؛ ففي المادة 126 منه: "يجوز الجمع بين الوزارة وعضوية مجلس الشعب"، وبالتالي ثمة خلط بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وفي البند الأول من المادة 133: "يرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية..."؛ وهذا يعني أن ثمة عدم فصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية. وفي المادة 137 منه: "النيابة العامة مؤسسة قضائية واحدة يرأسها وزير العدل..."؛ وهنا أيضاً الأمر ذاته. كما أن المادة 141 تنص على أنه: "تؤلَّف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل، يكون أحدهم رئيساً، يسمّيهم رئيس الجمهورية بمرسوم". كما أنه في المادة 97: "يتولّى رئيس الجمهورية تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوّابه وتسمية الوزراء ونوّابهم وقبول استقالتهم وإعفائهم من مناصبهم".

وهذا كله، خلط واضح بين السلطات، يعطي حقاً كبيراً لهرم السلطة التنفيذية بالتحكّم بالسلطتين التشريعية والقضائية، إضافة لتحكّمه بالسلطة التنفيذية، وهذا مخالف تماماً لأولويات الديمقراطية. ثم إن المادة 148 تنص على أنه: "لا يحق للمحكمة الدستورية العليا أن تنظر في دستورية القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب". وهذا يؤكد على اتساع صلاحيات قمة هرم السلطة التنفيذية على حساب السلطتين الأخريين، اللتين في حال استقلالهما التام يمكن لهما تأمين التوازن الديمقراطي المطلوب. وفي المقابل، نجد أن المادة 117 تنص على أن: "رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى...". كيف لهذا أن يستقيم؟! "إن الدستور يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة ولا يحمّله المسؤولية بالقدر نفسه، وهذا خلل يجب تداركه؛ فلا يجوز أن يأتي رئيس الجمهورية أفعالاً لا يكون مسؤولاً عن نتائجها أو يتخذ مواقف يكون غيره مسؤولاً عن نتائجها، كما هي الحال في الدستور الحالي".[31]

حين يتمّ تعديل مثل هذه المواد في دستورنا كي تصبح محققة للمواطنة من دون أي تمييز، في ظل مجتمع سوري يتمتع بالديمقراطية والحرية، حينها فقط يمكن تطبيق العَلمانية في سوريا.[32]

فالمواطنة مؤسَّسة على المساواة بين الجميع، يتمتع فيها المواطن بحقوقه المدنية والاجتماعية والصحية وحق التعلّم والعمل والمُلكية وحقوقه السياسية، بما فيها حقه في الفكر النقدي وفي حرية التعبير والمعتقد، وعليه واجبات متساوية مع جميع المواطنين، من أجل الصالح العام (الضرائب، الخدمة الإلزامية، الخدمة المدنية... إلخ).


ثمة مَنْ يقول، وهذا ما نسمعه كثيراً: "نريد ديمقراطية تناسبنا"؛ أو "نحن طبّقنا الديمقراطية منذ سبعينيات القرن العشرين بإحداث الجبهة الوطنية التقدمية"...

راجت منذ سبعينيات القرن العشرين "نكتة" تقول: "أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، لصاحبها حزب البعث العربي الاشتراكي"! هذا يدلّ جليّاً على رأي عامة الناس بأن الجبهة لم تكن مستقلّة في رأيها عن الحزب الحاكم! وهنا ف: "من الأفضل أن تعمل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية كأحزاب منفردة، فتساهم في تباين الرأي والمنافسة مع بعضها، وبالتالي تغني الساحة السياسية بالاحتمالات الإيجابية؛ وتأسيس نادي للعاملين في السياسة كما هو الحال في المجتمعات المتطورة، حيث يتبادل الخصوم والأنصار الآراء بكل حرية، وبالتالي، يبتعد المزاودون عن مزاوداتهم الهزلية. أما إذا بقيت الجبهة الوطنية، فمن الأفضل السماح بقيام جبهة أخرى منافسة لها تتكوّن نتيجة إطلاق حرية العمل السياسي، وتعديل قانون الانتخاب بحيث يتيح للمرشح الاقتراب من الناخبين وملامسته الفعلية لآرائهم".[33]

من المهم جداً، كذلك، إصلاح قانون الانتخاب ليؤدي إلى وصول نواب إلى البرلمان يمثّلون الشعب تمثيلاً حقيقياً... فمثلاً... يمكن أن تكون سوريا دائرة انتخابية واحدة، وأن يتم الترشح فيها على أساس مجموعات متحالفة، من أحزاب صغيرة الحجم أو متوسطة، أو كبيرة الحجم، كل تحالف متفق على برنامج سياسي معيّن... يكون الترشح على قاعدة النسبية بطريقة اللوائح المقفلة، ويمكن تخصيص 50% من كل لائحة للنساء، كي تُعطى المرأة دوراً حقيقياً. ولا مكان هنا للمرشحين المنفردين. وبعد فرز الأصوات، توزَّع المقاعد بنسبة عدد الأصوات التي حازت عليها كل لائحة. وهذا الأمر يؤدي إلى تثبيت "نظام سياسي ديمقراطي تمثيلي، يجمع بين  سيادة الشعب واعتباره مصدر كل سلطة، وبين المضمون الاجتماعي حتى لا تطغى طبقة على أخرى... وهذا التوازن يتحقق من خلال الأحزاب التي تمثّل قوى اجتماعية تُوازِن قوة رأس المال وتحدّ من بيروقراطية الدولة...".[34]

وعلينا اعتماد مبدأ الانتخاب الحر والنزيه لكل المؤسسات الشعبية، من البلديات وحتى البرلمان، وبالتالي، يتم الحفاظ على نسب متوازنة لممثّلي الشعب بمختلف فئاته في تلك المؤسسات، وخاصة في البرلمان، كي لا تطغى فئة على أخرى. أما ما هو مطبَّق اليوم في الانتخابات التشريعية بفرض 50% للعمّال والفلاحين و50% لباقي فئات الشعب، فقد أعادنا إلى حالة شبيهة، بشكل ما، بالانتخابات على درجتين، التي لا تحقّق عادةً التمثيل الصحيح والتي ناضل حزب البعث العربي الاشتراكي لإلغائها بدماء أبنائه وتضحياتهم، من أجل تحقيق ديمقراطية حقيقية في انتخابات على درجة واحدة! وما هو مطبَّق حالياً لا يستطيع تحقيق توازن في التمثيل البرلماني، وبالتالي ينتقص من الديمقراطية الفعلية في البلاد!


العَلمانية والمجتمع السوري


أما اجتماعياً، فالمجتمع السوري مجتمع مؤمن ومتديّن، بشكل عام... ومن أجل ترويج العَلمانية ضمن صفوفه، وهي التي تمّ تشويهها كثيراً في مجتمعاتنا العربية، ربما يكون من المفيد، استبدال هذه الكلمة بأخرى؛ ولعل كلمة "الحيادة" التي طرحها فرح أنطون هي الحل، ولكن الأهم هو مضمون هذه الكلمة الذي يتعلق بترتيب العلاقة بين الدين والدولة، لمصلحة كليهما.

ويمكن للدولة ، بالتعاون مع المجتمع المدني المؤمن بالعَلمانية، تنظيم ندوات توعية في كل أماكن العمل والتجمعات البشرية، إضافة إلى التوجيه في المدارس العامة، التي علينا النضال من أجل تحقيق العلمنة فيها، بدل أن تبقى كما هي حالها اليوم، تؤسس للتفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، بتدريس الدين، وفصل الطالب المسيحي عن أخيه المسلم، وبالتالي ترسيخ الإحساس بالاضطهاد! وذلك بإلغاء تدريس مادتَيْ الديانة و"القومية"[35] واستبدالهما بتدريس مادة الأخلاق العامة للجميع، ولا مانع من الاستشهاد بآيات من الأديان السماوية توجَّه إلى جميع الطلاب، من دون استثناء. وبالتالي لا نعطي الحقَ لأنْ تحلَّ الأيديولوجيا محلَّ مادة الديانة التي تمّ إلغاء تعليمها.

أما ندوات التوعية تلك، فهدفها إيضاح أهم فكرة في العَلمانية وهي حيادية الدولة تجاه جميع المعتقدات، وبالتالي ازدهار الأديان وتفتّحها ضمن هذه الحيادية، في جو من الحرية الفكرية وحرية ممارسة الشعائر الدينية، من دون الإخلال بالنظام العام وبالصالح العام؛ وذلك، بالتأكيد على أن "الحرية حق لكل مواطن ولا توجب الصدام الدامي، وسلاح الصراع، إنْ وجب، فهو الكلمة لا غيرها".[36]


لقد تمّ تشويه العَلمانية، للأسف، بربطها بالإلحاد، وبالشيوعية المُلحِدة، وهذا ما حاول ترويجه المدّ الوهّابي، مستعيناً بإعلام البترو- دولار، الذي يملك إمكانيات مادية هائلة في الضخ اإعلامي المغرِض. وهذا ما أدى، بكثير من البلدان التي ادّعت التقدمية، إلى منافقة رجال الدين، على حساب قمع العَلمانيين، وخاصة في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها.

لا شك بأنّ المؤسسات الدينية، التي تتمتّع في الدولة غير العَلمانية، بسلطة مضاعفة، نتيجةَ اقترابها من السلطة الحاكمة وتناغم مصالحهما، ونتيجةً لسيطرتها على عقول الناس، فإن تطبيق العَلمانية في سوريا لن يكون في صالحها، إلا أن عليها، في حال تطبيقها، الامتثال لقوانين الدولة وجعل كل ما هو ديني ضمن الحيّز الخاص للمجتمع وضمن مؤسساتها والمدارس الخاصة ذات الطابع الديني... وعلى الدولة التي تصبح حيادية حينها، مراقبة الخطب في المساجد والكنائس ودور العبادة الأخرى، لجعلها تبثّ روح التسامح وعدم كراهية الآخر... كذلك، فإن على الدولة الحيادية ألا تجابه المدارس الخاصة ذات الصبغة الدينية، ولكنْ عليها تحفيز تدريس الأخلاق العامة المشتركة بين جميع الأديان، في هذه المدارس، ومنها التسامح وقبول العقائد الأخرى وعدم الكراهية.


عَلمانية حزب البعث العربي


لم يصل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في سوريا، في 8 آذار 1963، بوسائل ديمقراطية، وهذا هو أحد الأسباب الهامّة التي ساهمت في إبعاد البعثيين تدريجياً عن العَلمانية لاحقاً، فالديمقراطية هامة، فضاءً للعَلمانية وتفتّحها. كان البعثيون الأوائل، في معظمهم، وخاصة المدنيون منهم، علمانيين فكراً وممارسةً... فقد فهموا بعمق دعوة مؤسس الحزب الأستاذ ميشيل عفلق إلى بناء "الجيل العربي الجديد" المؤمن، إنما الحيادي أمام العقائد الدينية والتنوعات الإثنية في المجتمع العربي، كما فهموا بوضوح علاقة العروبة بالإسلام: فالعروبة هوية والإسلام روح لها... وقد قال الأستاذ عفلق: "نحن الجيل العربي الجديد... لا يفهمنا إلا المؤمنون، المؤمنون بالله. قد لا نُرى نصلّي مع المصلّين، أو نصوم مع الصائمين، ولكننا نؤمن بالله لأننا في حاجة ملحّة وفقر إليه عصيب، فعبؤنا ثقيل وطريقنا وعر وغايتنا بعيدة".[37]

وفي ما يخص الدين، كتب الأستاذ عفلق قائلاً: "إن الحزب... يرى أن الدين تعبير صادق عن إنسانية الإنسان، وأنه يمكنه أن يتطور ويتبدل في أشكاله، وأن يتقدم أو يتأخر ولكنه لا يمكن أن يزول".[38]

وكتب أيضاً: "نحن نعتبر أن الرجعية الدينية تؤلّف مع الرجعية الاجتماعية معسكراً واحداً يدافع عن مصالح واحدة، وأنها أكبر خطر يهدّد الدين".[39]

لقد وضّح الأستاذ عفلق العلاقة بين العروبة والإسلام، قائلاً في "ذكرى الرسول العربي": "هذه التجربة[40]... هي استعداد دائم في الأمة العربية - إذا فُهِمَ الإسلام على حقيقته- لكي تهبّ في كل وقت تسيطر فيها المادة على الروح، والمظهر على الجوهر، فتنقسم على نفسها لتصل إلى الوحدة العليا والانسجام السليم، وهي تجربة لتقوية أخلاقها كلما لانت وتعميق نفوسها كلّما طفت على السطح، تتكرّر في ملحمة الإسلام البطولية بكل فصولها من تبشير واضطهاد وهجرة وحرب، ونصر وفشل، إلى أن تختم بالظفر النهائي للحق والإيمان".[41]

وقال: "إن ثقة البعثي بالإنسان عامةً وبالإنسان العربي خاصةً يجب أن تُغريه دوماً بالمزيد من الجرأة في مكافحة المعتقدات الخاطئة الجامدة، وأن لا يحسِب أن الأمة العربية لا تتحمّل هذه الكمية من الثورة والتحرّر، فهي خصبة عميقة، وهي مختزِنة لتجارب مئات السنين من الآلام، مئات السنين من التأخر والظلم، لذلك فهي مهيأة كل التهيؤ لأن تنفجر وأن تبلغ مستوى روحياً فيه كل الجرأة".[42]

كما كتب عن فَهْم المسيحيين من الجيل العربي الجديد للعروبة وعلاقتها بالإسلام: "وسوف يعرف المسيحيون العرب... أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها، فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن  شيء في عروبتهم. وإذا كان الواقع لا يزال بعيداً عن هذه الأمنية، فإن على الجيل  الجديد من المسيحيين العرب مهمة تحقيقها بجرأة وتجرد، مضحين في سبيل ذلك  بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب إليها".[43]

أما في موضوع التنوّع الإثني، فيقول: "لا أحد يمنع الأكراد أن يتعلّموا لغتهم شريطة أن يكونوا خاضعين لقوانين الدولة ولا يشكّلوا خطراً على الدولة... فالعروبة هي إنسانية ونحن نفهم من قوميتنا العربية بأنها الإنسانية الصحيحة وبأنها تقديس لقوميات الآخرين، فنقدّس هذا الشعور عند كل شعب آخر".[44]


هكذا تكون طبيعة العروبة غير إقصائية، فتتمحور حول المشروع النهضوي، وهو: الوحدة في مواجهة التجزئة، والمشاركة الشعبية في مواجهة الاستبداد، والاستقلال الوطني في مواجهة التبعية، والتنمية في مواجهة التخلّف، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الفجوات بين مكوّنات المجتمع. فالعروبي هو من ينطق باللسان العربي ويؤمن بالمشروع النهضوي العربي في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة.

أما مسألة الأقلّيات القومية الموجودة في الوطن العربي، فيتمّ حلّها بالاعتراف بحقوقها القومية وبالتكامل معها بما يصون الأمن القومي في مواجهة أطماع الامبريالية والصهيونية.

إن الصراع على السلطة، والابتعاد عن الأهداف القومية في تحقيق الوحدة والمشروع النهضوي وتحرير فلسطين، واتباع النهج الإقصائي لكل من يخالف رأي الفئة الحاكمة، أوجد الانقسام المجتمعي الذي سمح للتحالف الدولي والإقليمي المعادي للأمة العربية بالتسلّل وضرب الحركة التحرّرية. علماً أن موازين القوى الدولية والإقليمية لم تكن لصالح الحركة التحرّرية العربية.[45]


بعد انقلاب 23 شباط 1966، تمّ منع تداول أعمال الأستاذ عفلق، فلم تصل مثل هذه الأفكار حتى إلى البعثيين أنفسهم، فتلاعبت "الرجعية الدينية والرجعية الاجتماعية" بعقول الناس وبثّت أفكاراً ليست من البعث العربي في شيء، فاختلطت موضوعة العروبة بالإسلام بشكل خاطئ ومُضِرّ بالفكر القومي العربي، إذ اعتُبِرَت العروبة عرقاً ولا تصحّ من غير الإسلام كدين! وكلّ ذلك أثّر سلباً على حكم الناس على العروبة وعلى مدى تجاوبهم معها، ونفى عنها الصبغة العَلمانية التي قصدها حزب البعث في رسالته!

الأستاذ "البعثي" الذي كان يدرّسنا في المدرسة، تاريخ حزب البعث العربي في المرحلة الثانوية، حين يشرح لنا أهدافه، ومنها الوحدة العربية، يعطينا أركان الوحدة وهي التاريخ والمصير المشتركين واللغة والدين الإسلامي، كونه دين غالبية سكان الوطن العربي... كنا دوماً نعترض عليه، ونحاول شرح علاقة العروبة بالإسلام من خلال ما ورد آنفاً في أدبيات الأستاذ عفلق!


أما الطائفية، بالنسبة للأستاذ عفلق، فهي "تغلُّب روابط سطحية تافهة على روابط أساسية عميقة"[46] ، لذلك فهو يعتبرها حالة طارئة.


في كتابه "العَلمانية والدولة الدينية"، تطرّق الأستاذ شبلي العيسمي إلى الدوافع التي فرضت وضع نصوص متصلة بالدين في بعض الدساتير العربية، فخلُص إلى أنها: "المسايرة لمشاعر الجماهير المتديّنة أو لامتصاص الضغوط التي تمارسها الحركات الدينية".[47]

وهذا ما حدث في سوريا، إذ إن الجمعية التأسيسية في العام 1950، كانت تناقش وضع دستور جديد لها، فقامت تظاهرات للتيارات والمنظمات الدينية، بهدف فرض الإسلام ديناً على الدولة في الدستور... غير أن الجمعية التأسيسية اكتفت بالتأكيد على أن "دين رئيس الدولة هو الإسلام"!

لكنّ المؤتمر القومي الرابع لحزب البعث العربي الاشتراكي، في العام 1960، قرّر أنّ "أفضل سبيل لتوضيح فكرتنا القومية، هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العَلماني... وسيكون نضالنا في هذه المرحلة مركَّزاً حول تأكيد عَلمانية حركتنا ومضمونها الاشتراكي، لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية".[48]

غير أن حزب البعث العربي الاشتراكي، بوصوله إلى السلطة في سوريا، بدأ يبتعد عن هذه المبادئ شيئاً فشيئاً... إلى أن أضحى إقصائياً، على جميع الأصعدة، وتحوّل بعد شباط 1966 إلى نظام للحكم مشابه لباقي الأنظمة العربية التي تشعر بعزلة شعبية، وهذا ما اضطره "لمسايرة التيارات الشعبية... التي تستخدم الإسلام ودور العبادة في نشاطاتها".[49]


في كتابه، "أحمر وأسود وألوان أخرى: السياسة والدين والمجتمع المدني"، قال الأستاذ محمد كامل الخطيب: "يتناسى رافضو العَلمانية أنها شكل أو عقد جديد للتنظيم الاجتماعي، وأن مجتمعاً متعدداً في أعراقه ودياناته وطوائفه، كالمجتمع العربي، سيظل عرضة للتجزئة والتوترات الطائفية والتدخلات الخارجية... ما لم يجد لنفسه فكرة موحِّدة، ورابطاً، أو عقداً اجتماعياً جديداً، يقبل به الجميع...".[50]

كما كتب قائلاً:"بصراحة، بدل أن تساعد الدولة، عبر مؤسساتها الجديدة، في تكوين لحمة اجتماعية مدينية جديدة، فإنها كانت أحد العوامل الرئيسة في تفتيت ما تحقق من أسس المجتمع المدني، بل والعودة إلى الماضي، والعودة اللغوية إلى مفهومات ودلالات البيعة، العطاء – المكرمة، الخالد، وهي رمز للعودة إلى المجتمع الريفي وقيمه...، للعودة إلى ما قبل المجتمع المدني".[51]


إن هذه العودة إلى ما قبل المجتمع المدني قد أدّت إلى التخلّي، بشكل ما، عن مبدأ سيادة القانون وإلى سيطرة التحيّز الحزبي المقيت، والاهتمام بالولاءات الشخصية، لا بالولاء للوطن، وهذا ما أدى بدوره إلى تفشّي النفاق وإلى نفي مبدأ المواطنة، الذي لا بديل عنه في الدولة العَلمانية...


في مذكرة من الأستاذ جلال السيد للرئيس حافظ الأسد، في سبعينيات القرن العشرين، نُشِرَت في كتابه "حزب البعث العربي"، نبّه السيد إلى ذلك، إذ أكّد على وجود آفة التحيّز الحزبي، فقال:"إن كل المواطنين في نظر الحزبيين هم مواطنون من الدرجة الثانية، هذا في أحسن الأحوال".[52]

وقد ورد أيضاً في هذه المذكرة ما يؤكّد على عشوائية التعامل الحكومي مع القوى العربية الوازنة في الشمال والشمال الشرقي السوري، ما أدّى إلى تصاعد قوة التيارات الشعوبية المتسرّبة من تركيا، بهدف تنفيذ خطة بعيدة المدى، لشرذمة سوريا، نرى خيوطها تُحبَكُ اليوم: "وليس من المنطق أن نخسر أرضنا وقوميتنا وتراثنا في بعض المناطق السورية بحجة تطبيق الاشتراكية، ذلك التطبيق الخاطئ الذي لا يحقق مصلحة، ولا يُغني ولا فئة من المواطنين".[53]

وفي موضع آخر، يوجّه السيد تساؤلاً للرئيس الأسد، قائلاً:"وهل تعرفون لجنة الاعتماد وما صنعته... في المناطق الشرقية والشرقية الشمالية من الوطن السوري؟ وهل بلغكم أن العروبة فيها قد تقلّص ظلّها، وانحسر وجودها، وخبا تألّقها، وتجمّد نشاطها أمام التيارات الشعوبية، بسبب ما صنعته لجنة الاعتماد، التي حرمت العرب من أسباب رزقهم، فسلبتهم أرضهم...".[54]


إن تراكم مثل هذه الخطايا في ظل حكم حزب اكتفى بادعاء العَلمانية والحيادية والمواطنة لجميع السوريين، على الورق فقط، لكنه، في الممارسة الفعلية لم يحقق ذلك كله، أدّى بنا إلى ما نعاني منه الآن وهنا، فتسلّلت القوى الإمبريالية بأدواتها من خلال تلك الثغرات، محاولةً افتراس الدولة السورية وشرذمتها.

وما الحلّ إلا بتطبيق العَلمانية، أو "الحيادة" قولاً وعملاً في الدولة السورية! وذلك بدءاً بالمدرسة العامة المُعَلمَنة بشكل حقيقي، و بتأمين الفضاء الديمقراطي فيها وبتشجيع التفكير النقدي وإعمال العقل وليس الحفظ، كما هو سائد في تدريس مناهجنا التعليمية. إضافة إلى تعديل للدستور والقوانين المختلفة من أجل جعلها جميعها حيادية تجاه العقائد الدينية المختلفة وإقرار القوانين الوضعية وتربية الأجيال على احترام القوانين وعدم خرقها! مُطبِّقين بذلك مقولة الإمام المُعَمَّم عبد الرحمن الكواكبي: " دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط"، الذي لن نكون، يوماً، أحرص منه على الدين!


ثمة تجربة عَلمانية ناجحة في تاريخ سوريا الحديث هي الثورة السورية الكبرى (1925 – 1937).[55]

إن أول قانون عَلماني أوروبي هو القانون الفرنسي (1905). لكنْ، حين احتلّت فرنسا بلادَنا (سوريا ولبنان)، (1920)، لم تطبِّق العَلمانية، بل قسّمتنا على أساس مذهبي إلى دويلات، وما تزال محاولات التقسيم تلك قائمة حتى اليوم على أيدي الغرب الاستعماري. حينها، رفع القائد العام للثورة السورية الكبرى (1925)، سلطان باشا الأطرش، شعار الثورة العَلماني: "الدينُ لله والوطنُ للجميع"[56]، في بيانه الشهير "إلى السلاح"، في 23 آب من العام 1925، وهذا مثّل صفعةً في وجه الاستعمار الفرنسي... وقد حرصت الثورة وقائدها العام وجميع قادتها على أن تكون حيادية تجاه العقائد جميعها، كما عاقب القائد العام مَنْ سوَّلتْ له نفسه الإخلال بهذا الشعار.

تلك كانت وما تزال التجربة العَلمانية الصادقة، قولاً وعملاً، والمؤثّرة في تاريخ سوريا الحديث!

ولا يزال هذا الشعار صالحاً إلى اليوم، فهو الردّ الطبيعي الرافض لتقسيمِ بلادنا على أساسٍ طائفي أومذهبي أو إثني، وهو تحقيق للمواطنة الفعلية.


الدولة المدنية واختلافها عن الدولة العَلمانية


بعد بحثنا في العَلمانية وتطبيقها في الدولة، نحاول المرور على مفهوم "الدولة المدنية"، الذي أخذ يكتسب أهميّةً متصاعدة اليوم. يُعرِّفُ الكثيرون هذه الدولة بأنها "تحقق جملة من المطالب المتعلقة بالمواطنة المتساوية وبالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وغيرها من المطالب المتصلة بحاجة الشعب العربي إلى التطور والتنمية، وتستمدُّ قانونها من الشريعة الإسلامية".[57]

لا نوايا للدولة المدنية بالعمل على الفصل القانوني بين الدين والسياسة والتعليم، ولا بالعمل على  القطيعة الجذرية مع تاريخنا العربي الحافل بفتاوى دينية، مسّت حياة مفكرينا وأدبائنا بشكل مريع. ولعل عدم اعتناق مفهوم الدولة المدنية للمبدأ العلماني لا يبعث الأمل الجاد "بإمكانية التساوي الكليّ الحقيقي بين مختلف الفئات الدينية أو العرقية في دولنا المدنية المنشودة، أو بإمكانية القطيعة مع ما يؤدّي إلى تمييز فئةٍ عن أخرى. ناهيك عن أن أدبيات الدولة المدنية لا تضمن الاعتراف بحقِّ عدم الإيمان أو الإلحاد".[58]

لا رغبة للقائمين على مشروع الدولة المدنية، في القطيعة مع المدرسة العربية الحالية التي خرّجت أجيالاً، تعلموا الخضوع وشبّوا على التفسير الظلامي للحياة، وحافظوا، بشكل عام، على التخلف العلمي والاجتماعي والحضاري.


خاتمة


يثير العالم اليوم سلسلةً من الأسئلة: هل مازال هناك مكانٌ لعالم مشترك للبشرية؟ ألا يتطلّبُ هذا التطلُّعُ نحو الكونيّ والإنسانيّ أن تتعلَّمَ المجتمعاتُ والأشخاصُ الابتعادَ عن الذات، في عالمٍ يحاصرُه الإقصاء؟ وهل تؤدّي الاختلافات إلى صراع الحضارات بديلاً عن الحوار؟

إنّ هذه الأسئلة لا تُبطِلُ أثر المَثَلَ الأعلى العَلماني، ولكنها تدعونا لتقييم رؤانا والنظرِ في ما إذا كان هذا المَثَلُ الأعلى العَلماني يصلح لإعطاء الأملِ مجدداً في ما يمكن أن يوحِّدَ الناسَ بتجاوز خلافاتِهم في عالمِ العولمة والرأسمالية المتوحِّشة، الذي جعل حقوقَ الإنسان والإيمان بالأخلاق بلا قيمة...

"إن عالماً موحّداً في إطار حضارة متعددة الثقافات والمرجعيات... هو العالم المرغوب، إذا كان للبشرية أن تحمي نفسها من الدمار... و"الإسلام" ليس عائقاً ... إذا... فهمنا رسالته الأصلية في سياقها التاريخي ومرجعيتها اللغوية والثقافية. إنه رسالة ضد القبلية والطائفية والعشائرية، وضد كل القيم المتولّدة عنها والتي تعيد إنتاجها: ضد القهر والظلم والعنف بكل أشكاله، ومع الإنسان الحرّ – ذكراً وأنثى – في نضاله النبيل من أجل الحق والخير والجَمال."[59]


في الولايات المتحدة الأميركية، مثلاً، أعاد المحافظون الجدد المجتمعَ لمواقفَ رجعيةٍ تمثّلتْ في العداء للبشرية، بشنِّ الحروب وتدميرِ الأوطان وسرقتِها وإدانةِ الديانات الأخرى. وهذا، أدّى بهم إلى التصوّر أنهم "المختارون" المكلَّفون برسالةٍ تطهيرية، تُتَرجَم سياسياً بمشروع سيطرةٍ على العالم، برَّرتْه أحداثُ 11 أيلول 2001. وهذا طبعاً ليس بجديد على السياسة الأميركية، إذ ساهمت السي آي إيه في عدة انقلابات في سوريا، في منتصف القرن العشرين، فقد أكّدت على أن القومية العربية الصاعدة آنذاك تشكّل تهديداً للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط: "ففي 1956 ثم في 1957، حاولت السي آي إيه قلب الحكم في سوريا، وفي ظل مبدأ آيزنهاور لعام 1957، أعطى الرئيس الأميركي مساعدات عسكرية للدولة الموالية للغرب في المنطقة، بشكل رئيسي للأردن وتركيا، تحت احتمال توجيهها ضد سوريا"[60] . وما أشبه اليوم بالبارحة!

من الملاحظ أيضاً أنّ حال المرأة يمثّل مِحَكَ اختبارِ درجةِ التحررِ العام، فحيث ينتشر التعصّبُ الديني في الحقلِ السياسي، نجد تراجعاً لتحرّر المرأة. فدرجةَ انعتاقِ المرأة هي مقياسُ درجةِ التحرّرِ العام. فأعلى درجات التحضر المديني تتوافق، حسب ابن خلدون، مع بلوغ الصبغة الدينية أدنى درجاتها.

يدلّ مشهدُ المواجهاتِ بين الأديان أو بين الطوائف على ضرورة تجنّبِ جعلِ الديني عاملاً حصرياً في تحقيق الهوية. وهذا لا يعني أنه لا يستطيع المساهمةَ في بناء هويةِ الإنسان، ولكن يجب أن يكونَ ذلك وفقَ التزامٍ حرّ للأفراد، وفي إطارٍ حقوقي مشترك يضمنُ حريةَ المعتقد والمساواة للجميع، دون التمييز بين المعتقدات الدينية أو الأيديولوجيّة بهدف تحقيق الصالح العام للجميع.

المَثَلَ الأعلى العَلماني كريمٌ بإعطاء الحرية لكل إنسان وتمكينِه من استعمالها للولوجِ إلى العيش الإنسانيّ، هادفاً إلى ما يوحِّدُ الناسَ في سبيل تحقيق ذواتهم بنجاح. وفي قلب هذا العيش نجد ازدهار العقلِ، من أجل تحقيق الغاياتِ الإنسانيةِ ضمن الأسسِ الأخلاقيةِ للوئام. لا يتطلّب ذلك الاهتمامُ أيَّ إقصاءٍ، بل ثقافة واعية تسمحُ بإرساء قواعد الوحدة الإنسانية.


لقد كتب الشهيد أنطون سعادة في كتابه "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمّدية"، وهو أحد المبشّرين بالعَلمانية، بأن الدولة، في الإسلام، أُنشئت لغرض الدين وليس الدين هو الذي أُنشئ لغرض الدولة. "فلا بدّ من التسليم بأن الدولة هي الواسطة للدين الذي هو الغاية"[61].

وهذا ما تمّ نشره في كتاب علي عبد الرازق، "الإسلام وأصول الحكم"، فأكّد الكاتب على أن رسالة الرسول محمد روحية تميّزت بالإبلاغ، فهي لا تحمل نزعةً إلى المُلك ولا دعوة لإقامة الدولة! وبالتالي، لا معنى اليوم لوجود الدولة الدينية، بما أن غاية الدين قد تحققت!


إن الدول التي تتبنى الدين ضمن دساتيرها هي دول قامعة لحريات مواطنيها بما فيها حرياتهم الدينية، فيما وضع الحريات الدينية هو أفضل في الدول التي لا تتبنى في دساتيرها ديناً معيناً، أو عقيدة أيديولوجية أو إلحادية تحاول فرضها على الجميع! إن نموذج الاحترام المتساوي للأديان، ربما يكون من أفضل النماذج لضمان الحريات المدنية للمواطنين بشتى عقائدهم ومذاهبهم.

"في فلسفة التاريخ عند هيغل ’التحقيق شرط  للتجاوز’، أي لا يمكن تجاوز الإسلام الظلامي إلا

بعد تحقيقه. وهكذا فالعلمانية هي مستقبل العالم الإسلامي... الحداثة ضرورة تاريخية وليس باستطاعة أمة أن تستثني نفسها من ضرورات التاريخ إلا إذا تغلبت فيها غريزة الموت على غرائز الحياة، فقررت الانتحارالجماعي"[62].

وهنا والآن، "أمامنا مهمة تتعلّق بوجودنا الثقافي والحضاري ومستقبلنا جميعاً. لا يمكن لأحد أن يقوم بهذه المهمة غير مؤسسات المجتمع المدني، في دولة القانون العَلمانية... القائم على أسس ديمقراطية سليمة... حتى يكون الانتماء للوطن وليس للطائفة والعشيرة."[63]

ولا يتمّ ذلك إلا بتحقيق الحرية والديمقراطية، وهما "عملية تراكمية تتم مرحلياً عبر خطوات مدروسة، كل خطوة منها تؤسس لما بعدها وتكمل ما قبلها...".[64]


وختاماً سوف نستشهد بما قاله الدكتور نصر حامد أبو زيد في العَلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو المؤمن بها جميعاً، خلاصةً مفيدةً نختم بها هذه الورقة:

"... العَلمانية التي هي رؤية شاملة تضاد مصادرة الرأي وتناهض نفي الآخر تأسيساً على واحدة من أهم منجزاتها وهي ’حرية العقل الإنساني’".[65]

"... ’الديمقراطية’ و ’حقوق الإنسان’، تلك هي الغايات التي يجب أن نسعى إليها، ولا وصول إليها إلا من خلال ’عَلمانية’ حقيقية لا تنفي الآخر، ولا تحاكم الفكر، بل تحرّر العقل من أسر الحلول الجاهزة، سواء استورِدَت تلك الحلول من الماضي / التراث، أم استورِدَت من الجانب الآخر من البحر المتوسط".[66]

المراجع

 


-        أبو زيد، نصر حامد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1999.

-        الأخضر، العفيف، العَلمانية ليست ضد الدين وهي مفتاح الحداثة المعاصرة: حوار أجراه سامح سامي، القاهرة، في جريدة الأهرام، 5 نيسان / إبريل، 2013 .

-        الأطرش، منصور سلطان، الإصلاح في سوريا ومقالات أخرى: الجزء الثالث من أوراقه، تحقيق د. ريم منصور الأطرش، بيروت، دار الفرات، 2014.


-        اقتراحات د. ريم منصور الأطرش لتعديل 22 مادة في الدستور السوري:

          http://www.rimalattrache.com/show_details.php?Id=66


-        الإنجيل المقدس (العهد الجديد) والمزامير، دمشق، مطبعة باب توما، 2012.

-        بطرس البستاني رائداً من رواد النهضة العربية، في جريدة العروبة، حمص، [2010]، العدد: 12230.

-        بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، نحيا معاً في وطن واحد: أعمال ندوة اللقاء الإسلامي المسيحي (26 – 28 تشرين الثاني 2002 ، دمشق، قاعة الصليب المقدس)، بيروت، الذاكرة، 2003 .

-        بينا – رويث، هنري، ما هي العَلمانية؟، ترجمة د. ريم منصور الأطرش، دمشق، دار الأهالي، 2005 ، (المؤسسة العربية للتحديث الفكري).


-        حركة الإصلاح الديني، في "الباحثون السوريون":

 http://www.syr-res.com/article/6443.html


-        الخطيب، محمد كامل، أحمر وأسود وألوان أخرى: السياسة والدين والمجتمع المدني، دمشق، دار 0021 ، 2008 .

-        داغوم، مازن، قراءة تاريخية للتشريعات العَلمانية الفرنسية، في معابر، دمشق، 2006.

-        دايه، جان، الإمام الكواكبي: فصل الدين عن الدولة، المملكة المتحدة، دار سوراقيا، 1988.

-        ساوندرز، بوني ف. ، الولايات المتحدة والقومية العربية: الحالة السورية 1953 – 1960، ترجمة سامر خليل كلاس، دمشق، دار نينوى، 2002.


-        سروري، د. حبيب عبد الرب، ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟

http://www.ibn-rushd.org/typo3/cms/ar/magazine/13th-issue-spring-2013/habib-abd-al-rabb-sururi/


-        سعادة، أنطون، الإسلام في رسالتَيْه المسيحية والمحمدية، بيروت، بإشراف عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، 1977، (سلسلة النظام الجديد، 5).

-        السلطي، وسيم، شبلي الشميل المفكر الجريء الذي نحتاجه اليوم، في جريدة العرب، لندن، 26 أيلول 2015 ، العدد 10048، ص13.

-        السيد، جلال، حزب البعث العربي، بيروت، دار النهار، 1973 .

-        ضاهر، عادل، الأسس الفلسفية للعَلمانية، بيروت، دار الساقي، 1998.

-        عبده، محمد (الشيخ)، مختارات، دمشق، وزارة الثقافة، دار البعث، 2005 ، (مختارات، 22).

-        العجلاني، د. محمد ناصر، العَلمانية، [د.م. ، د.ن.]، 2011.

-        العريس، ابراهيم، "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق: معركة حول قضية الخلافة، في جريدة الحياة، لندن، السبت، 27 أيلول  2014.

-        عفلق، ميشيل، في سبيل البعث: الكتابات السياسية الكاملة: الجزء الأول، بغداد، دار الحرية، 1986.

-        عمارة، محمد، المنهج الإصلاحي للإمام محمد عبده، الإسكندرية، مكتبة الإسكندرية، 2005.

-        العيسمي، شبلي، العَلمانية والدولة الدينية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة "آفاق عربية"، 1986.

-        القرآن الكريم، دمشق، دار ابن كثير، 1990.

-        كنعان، جورجي، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي: ج1: الدعوة والدعاة، بيروت، بيسان، 1995.

-        الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، القاهرة، كلمات عربية، 2011.

-          لماذا هذا الموقع؟ www.sultanalattrache.org


-        المطيري، عبد الله، ما هي العَلمانية؟، الرياض، في جريدة الرياض، زاوية "ثقافة السبت"، العدد 14311،  30 أغسطس 2007.


***




[1] في هذه الورقة، سوف نعتمد بشكل أساسي، بالإضافة إلى المراجع المذكورة في نهايته،  على مرجع هام، قمنا بترجمته عن الفرنسية، ونُشِرَ في العام 2005، في دمشق، في دار الأهالي، بإشراف مباشر من المؤسسة العربية للتحديث الفكري، التي كان يرأسها الدكتور نصر حامد أبو زيد، أما نائبه، فكان الدكتور جورج طرابيشي، رحمهما الله؛ وهو بعنوان: "ما هي العَلمانية؟"، للفيلسوف الفرنسي هنري بينا- رويث. وقد رشّح الروائي المصري، الدكتور علاء الأسواني، هذه الترجمة لتكون كتاباً للقارئ العربي في العام ذاته، قائلاً:"هذا الكتاب يناقش فكرة العَلمانية بشكل واضح ومن دون تعقيدات". ورد هذا القول للدكتور الأسواني في مقالة:

المطيري، عبد الله، ما هي العَلمانية؟، الرياض، في جريدة الرياض، زاوية "ثقافة السبت"، العدد 14311،  30 أغسطس 2007.

[2] ضاهر، عادل، الأسس الفلسفية للعَلمانية، بيروت، دار الساقي، 1998، ص 191.

[3] العيسمي، شبلي، العَلمانية والدولة الدينية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة "آفاق عربية"، 1986، ص 19.

[4] حركة الإصلاح الديني، في "الباحثون السوريون": http://www.syr-res.com/article/6443.html

[5] المادة الأولى من قانون العام 1905 في فرنسا، الخاص بفصل الكنيسة عن الدولة.

[6] بينا – رويث، هنري، ما هي العَلمانية؟، ترجمة د. ريم منصور الأطرش، دمشق، دار الأهالي، 2005، ص  21 – 23.

[7] انظر الهامش رقم 6، ص 58 – 59.

[8] كنعان، جورجي، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي: الجزء الأول: الدعوة والدعاة، بيروت، بيسان، 1995، ص 168.

[9] المرجع السابق، ص 175.

[10] إنجيل متّى (22، 21).

[11] سورة الغاشية، الآية 22.

[12] سورة البقرة، الآية 256.

[13] سورة الكهف، الآية 29.

[14] داغوم، مازن، قراءة تاريخية للتشريعات العَلمانية الفرنسية، في معابر، دمشق، 2006: "أول بعثة دراسية أوفدها محمد علي باشا إلى فرنسا بين 1826 و 1831، كان من ضمنها الشيخ رفاعة الطهطاوي مرشداً دينياً. ويمكن تخيّل نوعية الحوارات التي دارت على مرأى من الطهطاوي ومسمعه، ما أثَّر في تفكيره وجعله من أوائل أعلام النهضة العربية الحديثة".

[15] بطرس البستاني رائداً من رواد النهضة العربية، في جريدة العروبة، حمص، العدد:  12230، [2010].

[16] عمارة، محمد، المنهج الإصلاحي للإمام محمد عبده، الإسكندرية، مكتبة الإسكندرية، 2005، ص 113. لقد اعتبر أنطون سعادة أن عبده والأفغاني رجعيان ولا يمكنهما ادعاء احتكار التفكير المحمدي العصري؛ واعتبر أن الإمام الكواكبي قد نظر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية من جهة التفكير السوري المترقّي.

[17] هو من أصل لبناني، وهاجر إلى مصر، وهو من أعلام النهضة العلمانيّة العربية.

[18] الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، القاهرة، كلمات عربية، 2011.

[19] دايه، جان، الإمام الكواكبي: فصل الدين عن الدولة، المملكة المتحدة، دار سوراقيا، 1988، ص 65.

[20] المرجع السابق، ص 32.

[21] انظر الهامش 18، ص 23 و 24.

[22] انظر الهامش 18، ص 76 و 78.

[23] انظر الهامش 18، ص 90 و 98.

[24] سورة هود، الآية 118.

[25] انظر الهامش 18، ص 100.

[26] انظر الهامش 18، ص 114.

[27] لذلك نرى أن السلطة العثمانية دبّرت مقتله بدسّ السمّ له في فنجان القهوة، كي تتخلّص منه!

[28] السلطي، وسيم، شبلي الشميل المفكر الجريء الذي نحتاجه اليوم، في جريدة العرب، لندن، 26 أيلول 2015 ، العدد 10048، ص13.

[29] العريس، ابراهيم، "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق: معركة حول قضية الخلافة، في جريدة الحياة، لندن، السبت، 27 أيلول  2014.

[30] الأخضر، العفيف، حوار معه: العلمانية ليست ضدالدين وهي مفتاح الحداثة المعاصرة، في جريدة الأهرام، 5 نيسان / إبريل، 2013.

[31] الأطرش، منصور سلطان، الإصلاح في سوريا ومقالات أخرى: الجزء الثالث من أوراقه، تحقيق د. ريم منصور الأطرش، بيروت، دار الفرات، 2014، ص 538.

[32] http://www.rimalattrache.com/show_details.php?Id=66   : اقتراحات د. ريم منصور الأطرش لتعديل 22 مادة في الدستور السوري.

[33] انظر الهامش 31، ص 538.

[34] انظر الهامش 31، ص 535.

[35] صحيح أن اسم المادة أصبح "التربية الوطنية" في المدارس، غيرأن تدريس المحتوى ما يزال بعيداً عما هو مطلوب من أجل رفع سوية الأخلاق والوطنية ومن أجل فهم أعمق للحقوق والواجبات ولاحترام القوانين والدستور ولترسيخ التفكير النقدي وإعمال العقل والتربية على احترام الحوار والرأي الآخر، وهي التي تكرّس المساواة والمواطنة!

[36] انظر الهامش 31، ص 538.

[37] عفلق، ميشيل، في سبيل البعث: الكتابات السياسية الكاملة: الجزء الأول، بغداد، دار الحرية، 1986، ص 150.

[38] المرجع السابق، ص 125 و 126.

[39] انظر الهامش 37، ص 127.

[40] التجربة هي الإسلام، ثورةً اجتماعية وأخلاقية وروحية راقية.

[41] انظر الهامش 37، ص 143.

[42] انظر الهامش 37، ص 129.

[43] انظر الهامش 37 ، ص 148.

[44] انظر الهامش 37،  ص 182.

[45] من رسالة موجَّهة من أمين عام المؤتمر القومي الدكتور زياد حافظ إلى أعضاء المؤتمر، ونحن منهم، في تشرين الأول 2016.

[46] انظر الهامش 37، ص 34.

[47] العيسمي، شبلي، العَلمانية والدولة الدينية، 1986، ص 41.

[48] المرجع السابق، ص 48.

[49] انظر الهامش 47، ص 42.

[50] الخطيب، محمد كامل، أحمر وأسود وألوان أخرى: السياسة والدين والمجتمع المدني، دمشق، دار 0021 ، 2008، ص. 47 و 48.

[51] المرجع السابق، ص 70.

[52] السيد، جلال، حزب البعث العربي، بيروت، دار النهار، 1973، ص 314.

[53] المرجع السابق، ص 316.

[54] انظر الهامش 52، ص 311.

[55] لقد درسنا خطأ بأن الثورة السورية الكبرى امتدت فقط بين العامين 1925 و1927، وهما عاما المعارك العسكرية الأساسية، إلا أن المقاومة استمرت عشر سنوات بعد ذلك، حتى العام 1937!

[56] انظر "لماذا هذا الوقع؟"، بقلم د. ريم منصور الأطرش، في الموقع الألكتروني: www.sultanalattrache.org 

[57] سروري، د. حبيب عبد الرب، ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟

http://www.ibn-rushd.org/typo3/cms/ar/magazine/13th-issue-spring-2013/habib-abd-al-rabb-sururi

[58] المرجع السابق.

[59] أبو زيد، نصر حامد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1999، ص 276 و 277.

[60] ساوندرز، بوني ف. ، الولايات المتحدة والقومية العربية: الحالة السورية 1953 – 1960، ترجمة سامر خليل كلاس، دمشق، دار نينوى، 2002، ص 188.

[61] سعادة، أنطون، الإسلام في رسالتَيْه المسيحية والمحمدية، بيروت، بإشراف عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، 1977، (سلسلة النظام الجديد، 5)، ص 196.

[62] الأخضر، العفيف، حوار معه: العلمانية ليست ضدالدين وهي مفتاح الحداثة المعاصرة، في جريدة الأهرام، 5 نيسان / إبريل، 2013.

[63] بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، نحيا معاً في وطن واحد: أعمال ندوة اللقاء الإسلامي المسيحي (26 – 28 تشرين الثاني 2002 ، دمشق، قاعة الصليب المقدس)، بيروت، الذاكرة، 2003 ، ص 93.

[64] الأطرش، منصور سلطان، الإصلاح في سوريا ومقالات أخرى: الجزء الثالث من أوراقه، 2014، ص 534.

[65] أبو زيد، نصر حامد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، 1999، ص305.

[66] المرجع السابق، ص 309.


اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :