قالوا في الذكرى السنوية الأولى لرحيله وفي تأبينه

عدد القراءات 1904
2007-11-28

بقلم : عدة كتّاب

في ذكرى رحيل
المناضل الوحدوي العربي: منصور الأطرش


بقلم المحامي توفيق عبيد

السويداء، جبل العرب، سورية

‏ ‏‎
‏ في مثل هذا اليوم، من‎
‎العام المنصرم ( 2006 )، رحل رجلٌ عربيٌّ شريفٌ و
مقدامٌ ‏يحمل اسم منصور، ‏و هو منصور فعلا: لتغلبه
في سلوكه على الأنانية الذاتية عِبْرَ جميع
ممارساته اليومية، ‏و في ‏فروسيته التي طالما
تجسدت بتحكمه الإنساني المخلص في إرادته: إذ لم
ينحن هذا البطل الوحدوي الشجاع ‏لإرهاصات أية سلطة
دنيوية غير سلطة عشقه للحرية، مَثَلهُ كأبيه البطل
العربي الخالد سلطان باشا الأطرش قائد ‏الثورة
العربية العظيمة، و هو لم يلتوِ البتة مع تداول
الأيام بين الناس، كما لم يخضع بأي شكل من الأشكال
لكل ‏الإغراءات التي تذل الإنسان ‏في الحياة،
وتدفعه نحو الرذيلة و الخطأ، و بنتيجة هذه السمة
الصوفية الإنسانية: ‏عرفت الصديق الصدوق منصور‎
‎الأطرش صارما مع نفسه ومع الآخرين عبر ستين عاماً
و نيفٍ، مثلما عرفه ‏القاصي و الداني في الوطن
العربي العظيم.(...) ‏

فكان، مع مرونته السياسية الواعية، عنيداً كالصخر
الأصم صلباً كسنديان الجبل الأشم.
‏ ‎ ‎لطيفاً قريباً إلى القلب.(...)



‏الجمعة‏، 16‏ تشرين الثاني‏، 2007‏

-------------------------

- رجلٌ؛
على حينَ الرجالُ قليلُ.

في الجبلِ الأشمِّ فتحَ عينيهْ، وفتحتِ الثورةُ
عينيها:

   كلَّما    جُدِّلَ     منا      بطلٌ
          زغردتْ في زحمةِ الهولِ النساءْ

وحينَ عتا الحديدُ، وخَمَدَ اللهيبْ، وَ..

   شرفُ الوثبةِ أن تُرضي العُلى
          غَلَبَ الواثبُ،   أم    لم    يَغلِبِ

شُرَِدَ على كتفيْ أبيهِ وأمهِ عن ديارِهْ، لا
عن وطنهْ؛

    بلادُ العُربِ أوطاني

أمن هنا ائتلقتْ فيهِ الشعلةْ؟
أم سرتْ إليهِ من ذلكَ النسرِ في مَعقِلِهْ؟

في شرقِ الأردُنِّ البدايةْ، وفي جبلِ العربِ
حينَ أُذِنَ لشيخِ الثورةِ أن يعودْ، ومن بعدُ
في جبلِ لبنانْ.

أعاشَ الوَحدةَ جسدُهْ، قبلَ أن يعيشَها
عقلُهْ؟

الجبالُ الشامخاتْ، والسهولُ الشاسعاتْ؛
مسرحُ الفِكرِ، ومأوى البدنِ.
فهلْ عن الحريةِ من مَحيصْ!


تلكَ الأقانيمُ أورقتْ، فأثمرتْ رجلاَ،
عاشَ ما عاشْ، وما بدَّلَ تبديلاَ، يَهديهِ
عقلٌ، ويَرفِدُهُ نبلْ، فما ضلَّ لهُ طريقٌ إلى
حقٍّ، ولا التوى به دربٌ إلى قلبْ.


أيها المنصورُ بنُ السلطانْ:
أكنتَ سليلَ أسرةٍ؛
لها في المجدِ؛ أيامٌ.. وأيامُ؟


    نبني، كما كانتْ أوائلُنا
           تبني، ونفعلُ مثلَما فعلوا

وقد فعلتْ.

أذكرُكَ علماً، أم أذكرُكَ مناضلاَ، أم
أذكرُكَ إنساناً، أم أذكرُكَ صديقاَ؟

كلَّ ذلكَ كنتَ، وقد رحلتْ، فهلْ أُنشِدُ
والدمعةُ في الروحْ:

    حلفَ الزمانُ؛ لَيأتينَّ بمثلِهِ
             حَنِثتْ يمينُكَ يا زمانُ! فكفِّرِ


الإعلامي مهران يوسف

دمشق، مكتبة الأسد الوطنية، 28/11/2007

- (...) أبو ثائر سوري عريق وعربي ملتزم تؤكد أعماله أن المخلص لوطنه هو المخلص لعروبته ولا فصم بين الحالتين؛ والتمييز بينهما هو خطوة على طريق الانحراف، إذ يكفي أن تنكر هويتك العربية حتى يفتح لك الغرب أبوابه ويعتبرك من أركان الديمقراطية ولو تفوّقتَ على فرانكو في القمع والتنكيل. (...)
بشارة مرهج

28/11/2007 مكتبة الأسد الوطنية- دمشق

- كلمة د. أشرف البيومي بمناسبة تأبين
المناضل القومي العربي الأستاذ: منصور الأطرش (أبو ثائر)
بمناسبة مرور عام علي رحيله
دمشق الأربعاء 28/11/2007! مكتبة الأسد الوطنية- دمشق


عرفت أخي الكبير منصور الأطرش في التسعينات أثناء اللقاءات والمؤتمرات التي جمعتنا في بغداد ودمشق وعواصم عربية أخري في إطار محاولاتنا لرفع الحصار الظالم الذي فرضته القوي الإمبريالية وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة علىشعب العراق الشقيق، كما جمعتنا لقاءات أخرى عقدت لفضح جرائم العدوان والاحتلال ولتأييد المقاومة العراقية الباسلة. ومنذ اللحظة الأولى تطابقت شخصية منصور الأطرش مع ما انطبع في ذهني وتخيلته عن الشخصية العربية الأصيلة التي كنا نقرأ عنها في كتب المطالعة من خلال القصص الكثيرة عن الشجاعة والمروءة والوفاء ونصرة الحق والعطف والكرم. ولقد ذكرت هذا الانطباع - بتلقائيتي - المعهودة في كلمة ألقيتها في أحد اللقاءات مما جعل البعض يلقب منصور الأطرش بالفارس العربي الأصيل.
رأيت فيه شخصية فذة جمعت ما قد يبدو للبعض صفتين متناقضتين ولكنهما تتعايشان بسهولة ويسر وتناسق : رقة المشاعر الآسرة التي تنشط خلايا الحب وتحييها ولعل صورة الفقيد التي أمامكم تعبر عن ذلك بوضوح رغم أنها صورة مسطحة ساكنة. الصفة الأخرى صلابة في المواقف تعكس رسوخا وإيمانا للمبادئ الوطنية والإنسانية التي تمسك بها . ويحضرني هنا مقولة لثوري عظيم تعبر عن اعتقادي الشخصي – ومضمونها أن الثوري الحقيقي شخصية مليئة بالحياة والحب والحنان، تسعى لتحقيق السعادة للآخرين وليست شخصية متجهمة عابسة غير مكترثة بآمال البشر وسعيهم للمعيشة الكريمة السعيدة.
أيها الأصدقاء، لقد رحبت كثيرا بدعوة ريم وثائر ووالدتهم المحترمة للمشاركة في هذه المناسبة الجليلة .. وشعرت باعتزاز كبير يعكس اعتزازي بصداقة هذه الشخصية الفريدة وهذا الرجل العظيم.
كيف نتذكر هذا الرجل العظيم؟ هل نحزن لفقدانه؟ بلا شك خصوصا ونحن في حاجة ماسة لحكمته وإخلاصه، ولكن لا بد وأن يتحول هذا الحزن وسريعا إلى ذكريات عذبة ودروس وطنية. يسألني حفيدي عندما كان طفلا في محاولته لتقبل حقيقة الموت، وهذا شأن ليس باليسير في مراحل العمر المبكرة، كيف أتعامل مع الحزن الشديد الذي لا شك سيصيبني عندما تموت وكيف فعلت ذلك عندما مات جدك الذي قلت لي أنك كنت تحبه كثيراً؟ قلت له لقد حزنت كثيراً لوفاته ولكن سرعان ما حل محل هذا الحزن ذكريات الأيام الجميلة والأحداث الظريفة والطريفة التي ذكرت لك بعضها وبهذا فهو لا زال يعيش في ذهني وأراه في مخيلتي وهكذا سأحيى في ذاكرتك بعد موتي،عجبه الكلام ولكنه لم يقتنع تماماً به!
إن أبناء أخينا الكبير منصور الأطرش لا شك فخورون بوالدهم وتاريخ عائلتهم في النضال الوطني ولهم كل الحق في ذلك ولا بد أن يواصلوا ونواصل جميعاً هذا الاعتزاز والفخر. ولا بد أن نترجم هذا الشعور الفياض إلى مواصلة النضال لتحقيق التحرر الوطني العربي ونهضة عربية شاملة. ولعل شعوري بالرغبة في تمجيد ذكرى منصور الأطرش هو الذي يجعلني أذكر لكم ما أعتز به كثيراً وهو عمي محمد عزت البيومي رمز من رموز الوطنية المصرية والذي صارع الاستعمار البريطاني في مصر فناله رصاص الاحتلال أمام كوبري شبرا بالقاهرة في 11 مارس 1919 فكان أول من استشهد في ثورة 1919 العظيمة وتلاه شهداء كثيرون. لا أعتقد أن هناك جينات وطنية تتوارث ولكن هناك مناخ وطني تنشأ فيه الأجيال الجديدة فتقتدي بالمثل والرمز ويتعمق شعورها بالمعرفة والنضال. هكذا نشأ منصور في رحاب سلطان باشا وترعرع في بيئة تفيض بالوطنية والعزة. عندما أقرا سيرة سلطان باشا الأطرش أشعر بفخر كبير وثقة عظيمة بأن النضال مستمر وها نحن نشاهد أمام أعيننا مقاومة باسلة في العراق تكبد المحتل الغاصب خسائر ضخمة والمقاومة المنتصرة في لبنان تحطم الأساطير الإسرائيلية وتبرز البديل الواضح للاستسلام وهاهي المقاومة الفلسطينية مستمرة رغم العقبات الكؤود التي تواجهها. نعم ترتفع روحنا المعنوية وتقوي عزيمتنا عندما لا ننسى مقاومتنا المستمرة وصمودنا القوي وعندما نتذكر رموزنا الخالدة التي تصدت للقوى الغاشمة المعتدية سواء أكانت بريطانية أو فرنسية أو أمريكية أو صهيونية وسواء كانت في القاهرة أو في جبل العرب بالسويداء أو في بغداد أو دمشق أو فلسطين الحبيبة.
لقد تناقشت كثيراً مع أخي منصور حول استمرارية النضال وضرورة إبراز الدروس المستفادة للأجيال الشابة. أحد هذه الدروس هو أن الصراع من أجل الاستقلال هو صراع طويل ولا تحسمه معركة واحدة كما كنا نعتقد ببراءة ونحن صغار. كنا نستخف بضراوة القوى المعتدية ودهائها و قدرتها على المراوغة والالتفاف والإصرار. إذاً يصبح الدرس الأول هو أن المعركة طويلة متعددة الجوانب لا نستخف أثناءها بقدرات المستعمر فتحدث النكسات ويجب أيضاًً ألا نبالغ بقوته فيكون الاستسلام والهزيمة المحققة. لا بد إذاً أن يكون على رأس أولوياتنا أن يتلقف راية النضال شباب مؤمن بقضاياه ذو معرفة معمقة تدعم هذا الإيمان وتسانده.
الدرس الثاني الذي أكدناه هو أن الاستقلال الوطني ليس حالة ثابتة عندما نصل إليها تستقر الأمور وتستتب إنما هو حالة ديناميكية لا بد من دعمها دائماً وحمايتها وتعميقها والدفاع عنها. إن لم تكن كذلك فأخبروني أين ذهبت كل الانجازات، لماذا اندثرت كافة المحاولات؟ أين التجربة الناصرية بكل نجاحاتها بما في ذلك مشروع التنمية الواعد؟ نعم لم تكن تجارب مثالية وكانت هناك أخطاء ومع ذلك حققت انتصارات جعلت المستعمر يتربص بها وينقض عليها في الفرصة التي ناسبته. ألم يحل الفساد والتبعية والتدهور وعدم الانتماء والاكتراث بعد كامب دافيد؟ ألم نرَ كيف أن البعض انجر وراء أوهام السلام لعقود رأينا التنازل تلو التنازل بل رأينا من ينادي ب"التطبيع" مع عدو عنصري غاصب؟ وفي العراق، ورغم اختلافنا مع النظام السابق في أمور هامة، ألم يحقق هذا النظام تقدماً حثيثاً في العديد من مجالات التنمية مثل التصنيع والتعليم والبحث العلمي مما جعله هدفاً للتدمير من قبل الإمبريالية التي تعيق بروز أي دولة مستقلة غير تابعة ومن حليفها الكيان الصهيوني العنصري الذي لا يمكن أن يتعايش مع أي دولة عربية قوية. إن الذي يدافع عن الاستقلال الوطني في مواجهة قوى عسكرية متقدمة تكنولوجياً هو الشعب وليس فقط الجيوش النظامية فلقد ثبت عمليا وفي ظروف متعددة أن الكفاح الشعبي المسلح هو الذي يقلب موازين القوى وهو الذي يستنزف القوى المعتدية مهما عظمت قوتها.
الدرس الثالث هو أن الاستقلال السياسي لا قيمة له دون تنمية اقتصادية مستقلة لا تأخذ النموذج الغربي مثالا يحتذى ولكن تبتدع ما يناسبها وما يحقق معيشة كريمة حتى وإن كانت متواضعة لكافة المواطنين ونؤكد كافة المواطنين وليس بعضهم ولا حتى غالبيتهم. نموذج يحمي البيئة ولا يسعى للاستهلاك المدمر إنما يضع نصب عينيه الصحة الجيدة والسعادة والعدل.نموذج يضمن مشاركتنا الجادة في التقدم الإنساني. أما من لازال يتوهم أن ما سمي بالانفتاح الاقتصادي وما يمكن أن يحققه من رفاهية فهناك تجربة عملية ماثلة أمامنا بمصر وما أنجزه هذا الانفتاح من فساد وتدهور واستقطاب اقتصادي هائل ترك غالبية المجتمع يئنّ من معاناة معيشية طاحنة.
الدرس الرابع من سيحمي هذا الاستقلال وهذه التنمية؟ هنا يبرز عامل أساسي بدونه يندثر كل إنجاز ويضيع كل نجاح. هذا العامل الحاسم يتمثل في مشاركة شعبية واسعة و تمتع المواطن بالحرية الكاملة التي تتيح له أن يحقق ذاته في نفس الوقت الذي يساهم فيه ببناء مجتمعه ووطنه. إذاً الحرية شرط أساسي للتقدم ولحماية الوطن وهنا لا نتحدث عن الحرية في الاستقواء بالأجنبي أو الحرية المقترنة بأنانية الفرد وذاتيته. إن الحرية الحقيقية هي الضمان الأساسي لتفجير الطاقات الإبداعية الكامنة في شعوبنا والكفيلة بتنمية اقتصادية واجتماعية كبيرة. إن تنحية الشعب جانباً مهما كانت القيادات جادة في مشاريع التنمية تجعل النجاحات التي تتحقق محدودة ومعرضة للانهيار في المستقبل.
وفي ختام كلمتي لتأبين المناضل العظيم منصور الأطرش أقول إن مواصلة النضال ستحقق لنا النصر في نهاية المطاف وإننا بمثابرتنا سنحقق هدفنا الأسمى وهو بناء وطن عربي حر واحد وسنحقق نهضة عظيمة تتمثل فيها العدالة الإنسانية وتحقق الكرامة لكل المواطنين دون تمييز بين الأديان والأعراق والطوائف.
تحية لك يا أبو ثائر ولمواقفك ومبادئك التي نتمسك بها دوماً
وشكراً

 

-أيها الحفل الكريم،

(...).
ونحن في كل حال لا نضع الموهبة في الاعتبار الأول، وإنما نبحث في تصرف الموهوب بموهبته، هل بذل جهده في إنمائها وصقلها وخدمتها ليبلغ بها ما يستطاع من الكمال وما لا يستطاع؟ هل وضعها في طريق الحق والخير؟ هل حمل الأمانة التي تأبى السماوات والأرض والجبال أن يحملنها؟
هذا كله يتصل بإرادة الإنسان ويسأل عنه يوماً أمام الله والناس. وليس مصادفة أن يقول شوقي:

وأعلم بأنك سوف تذكر مرة               فيقال أحسن أو يقال أساء

(...).
كان فقيدنا طوال حياته مع التقدم والوحدة. (...).
وقد كان فقيدنا أكثر الوزراء بُعدَ نظر واستشرافاً للمستقبل، (...).
وفي أواخر العام 1965، انتخب فقيدنا رئيساً للمجلس التشريعي، وكان حظي سعيداً عندما تمّ انتخابي نائباً له.
كان فقيدنا حسن المحاضرة، غزير العلم وفصاحة اللسان وبراعة البيان وأناقة المجالسة وكرم العشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وصحة القريحة وعذوبة المنطق، ما ليس عليه أحد ممن أعرف، ممن تقدمه أو تأخر عنه.

وأجل من فوق التراب وتحته                  رجل عليه جلالة الإجماع

إنني أقول:

دعوتك يا أخي فلم تجبني                        فردّت دعوتي حزناً عليّا
بموتك ماتت الآمال مني                         وكانت حية إذ كنت حيّا
فيا أسفي عليك وطول شوقي                    إليك لو أن ذاك يرد شيّا

وبشّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا عزّى يقول: آجركم الله ورحمكم؛ وإذا هنّأ قال: بارك الله لكم وبارك عليكم.
ونحن نقول: رحمك الله يا أبا ثائر.. فقد كنت الأخ الوفي والصديق الصدوق.
عليك تحية الرحمن تترى برحمات غواد رائحات.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

المحامي مظهر العنبري ( نقيب المحامين سابقاً).
دمشق، مكتبة الأسد الوطنية، 28/11/2007

- (...) في حلب (...) نستذكر الراحل الكبير.. ذلك الأنموذج الإنساني المدهش والمتفرد.. إننا أمام ظاهرة إنسانية عروبية عز نظيرها في هذه الأيام.. إنها تعيد لذاكرتنا مسيرة الثوار الأحرار. (...) مضى عام على راحلنا عندما طرق أبواب الأبدية على طريق الجلجلة، مناضلاً عربياً، صاحب الفتوحات في التجليات القومية وهو يزهو على عرش الشرف الوطني.. يختزن في نفسه رصيد العمالقة.. رحل قلعة صامدة.. فقلاع الشام تذكره.. رحل أنموذجاً وطنياً، منارات المآذن وأجراس الكنائس تزفه ضيفاً كريماً إلى جوار  الرحمن.

أبا ثائر، أيها الشراع الأبيض الحالم.. أيها الجندي الشريف والبعثي النظيف، يا من حملت رسالة الكلمة فارساً تبذل روحك على بيادر الوطن، سنبلة مباركة، ضفيرة قمح ذهبية من تربة القريّا.. من شمم جبل العرب. عزاؤنا الوحيد برحيلك قول الشاعر:

     

فرحة النسر أن يرى الذروة              العليّا وقد حوّمت عليها زِغابُه

إنها روحهُ    التي      تبقى              مشعلاً  يهتدي    به    أترابُه

في ذكراك، أبا ثائر، نتساءل ماذا يقول الحزن للحزن إذا التقيا..؟!

هذه الذكرى ليست لذاتك الطاهرة فحسب بل إنها أيضاً لذات الوطن ولذواتنا، علّنا نستلهم من أفكارك النيّرة وسيرتك الحميدة ما يضيء أمامنا الطريق في هذه الأيام الحالكات.. ونحن نواجه الغاشيات.

حلب، 28/11/2007                                                                 

  الدكتور عبد الهادي نصري


 وكيل جامعة القلمون في حلب

  رئيس جمعية العاديات – مدير الثقافة في حلب سابقاً 

-ماذا أقول إذا ما منصف سألا                                   من الأباة لدفع الضيم مَنْ بذلا ؟

من أمهروا الأرض بالأرواح راضية                              كي يسعد الوطن الغالي ويكتملا

من غيرهم زرعوا أجسادهم قيما                                     فآل معروف أعطوا للعلا مثلا

سلطانهم فخر من عاشوا حقائقهم                                  ما أرخصوا الروح بل أغلوا بها البدلا

منصورٌ منهم وقد أدّى رسالته                                          واليوم نذكره بالفضل إذ رحلا

أنا الوفي وتغنيني صداقته                                              كل الوفاء لمن كانوا لنا رُسُلا

فآل معروفٍ لا شيء يعادلهم                                          بين الأنام إذا ما منصف سألا

العماد أول مصطفى طلاس
مكتبة الأسد الوطنية – دمشق
28/11/2007

-كلمة ثائر منصور الأطرش في حفل تأبين والده منصور سلطان الأطرش، دمشق، مكتبة الأسد الوطنية، 28/11/2007.

أيها الأهل والأحباء، أيها الأصدقاء، أيها الحفل الكريم، مساء الخير.
أرحب بكم أجمل ترحيب في احتفال الوفاء لذكرى فقيدنا الكبير، وأعتذر باسم أسرته وأصدقائه عن أي تقصير في الدعوة، فأنا أعرف تماماً أن محبّي فقيدنا كثر ولم نتمكن من دعوتهم كلهم بسبب الأمكنة المحدودة. لذلك تمّ اختيار زهرات من باقة زهور تفوح بالوفاء والمحبة والإخلاص لرجل كان يوماً ضمن هذه الباقة، أحبها فأحبته وأخلص لها فبادلته إخلاص بإخلاص ووفاء.
أيها الحفل الكريم،
لقد مرّ عام على رحيل والدي، صديقكم المغفور له منصور سلطان الأطرش، وقد كان هذا العام صعباً وشاقاً عليّ شخصياً وعلى أسرتي، فقد فقدنا سنداً حقيقياً وجبلاً شامخاً من جبل شامخ كان وما يزال رمزاً لشموخ الوطن وصخرة منيعة في ركن أساسي من أركانه. ولكن محبة الناس وعواطفهم التي رافقتني في هذا العام كانت بلسماً حقيقياً خفف كثيراً من المصاب الجلل؛ وكما يقولون في جبل العرب: "نفس الرجال يحيي الرجال".
كما كان هذا العام أيضاً قاسياً على أختي ريم التي رافقته في مرضه وقدمت له كل ما يتوجب على ابنة بارّة بأبيها في أصعب ظرف يمكن أن يمر به إنسان، وكانت خير سند لي في تحمّل هذا الوضع الصعب.
كذلك كان شاقاً ومضنياً على والدتي، هذه المرأة العملاقة الصامدة التي عاشت مع المرحوم والدي خمسين عاماً اقتسمتها معه بحلوها ومرّها بشموخ وكبرياء، كانت فيها الرديف والسند وكانت الزوجة والأم التي حمت بيتها وساعدت زوجها في كل المحن التي تعرّض لها. هكذا الرجال العظام يلتفتون لمجابهة الصعاب لأنهم مطمئنون أن وراءهم نساء عظيمات يصنّ البيت والأسرة. فتحية حب وولاء وإجلال لها في حزنها الجلل.
أيها الأصدقاء،
لقد تحدث الخطباء في كلماتهم عن منصور الأطرش كلّ من الزاوية التي عرفه بها؛ والحديث عن منصور الأطرش وعن مناقبه وصفاته هو سهل ممتنع: سهل لأنه كان واضحاً كالشمس، وممتنع لأنك تتحدث عن إنسان جمع كثيراً من الصفات في مختلف المناحي، تخشى أن تنقصه قدره إن نسيت أو أغفلت.
لقد كان منصور الأطرش مدرسة في القومية والوطنية، مدرسة في الرجولة والشجاعة، مدرسة في الالتزام بالمبادئ، مدرسة في التواضع والأخلاق الإنسانية الرفيعة، وكان مدرسة عليا في اللاطائفية والعلمانية، وهذه المدرسة تعلّم منها كل مَن عاشره سواء أسرته الصغيرة أم أسرته الكبيرة؛ وكيف لا وهي المدرسة التي وضع حجر الأساس لها القائد الكبير سلطان باشا الأطرش وأكمل بناءها البعث العربي الاشتراكي.
أيها الحضور الكريم،
لقد كانت علاقة والدي بالقومية العربية علاقة عضوية، وكان عمله في الحقل العام ينطلق دائماً من هذه العلاقة، وقد كان العمل القومي المشترك والوحدة العربية هاجسين يلازمانه دائماً، وبقي حتى أيامه الأخيرة يؤكد على ذلك. وما مشاركته في لجنة دعم الانتفاضة الفلسطينية، ورئاسته للّجان الشعبية لنصرة العراق وعمله الدؤوب على لمّ شمل قطرَيْ البعث سورية والعراق إلا برهان على تلك العلاقة العضوية وعلى إيمانه الكبير بالعروبة والقومية العربية. وأذكر حين زرت العراق معه أنه كان يقول ونحن نقطع البادية السورية والعراقية بأن هذا العمق الجغرافي لسورية يُحسَب له حساب في مقاومة أي غزو صهيوني للأرض العربية، فالحدود مع إسرائيل بعيدة وعميقة عمق هذه الصحراء؛ وحين كان يجابَه بأنه تفكير غير واقعي أو لم يعد له وجود الآن كان يقول:"ومَن قال لكم إن الحلم ممنوع في السياسة؟! إن أي فكرة في العالم تبدأ حلماً ويمكن تحقيقها بالسعي الدؤوب إليها، والواقع السيء للانقسام العربي لا يلغي حلم الوحدة".
كذلك كان إصراره على أن المقاومة هي السبيل الوحيد لاسترجاع المغتَصَب من الأرض، وكان يركز على تعميق وتجذير ثقافة المقاومة بكل أشكالها ومنها مقاومة التطبيع. هذه المقاومة التي لا تحتاج إلا إلى جهاد مع النفس لتبقى النفس سويّة غير منحرفة. وهنا أقتبس مما كتبه في العام 1999 في هذا المجال:"هناك مَن يعتقد أن التآخي بين العرب والإسرائيليين ستفرضه المجاورة في الأرض، ونحن نعتقد أن المجاورة في الأرض ستذكّرنا دوماً وأبداً بأرضنا المغتصبة، وأن إسرائيل التي نسجت أسطورة العودة إلى أرض الميعاد وحققت فيما بعد هذه الأسطورة تعطينا المَثَل الوحيد الجدير بالاقتباس، ألا وهو نسج أسطورة جديدة تبدأ مع نهاية القرن العشرين: هي تحرير الأرض المقدسة وتحرير القدس أغلى مدينة على نفوسنا، جيلاً بعد جيل وإلى الأبد".
أيها الأحباء،
لقد كان الانتماء للوطن والالتزام بقضاياه من المسلّمات في حياة منصور الأطرش، وكان دائماً على استعداد لبذل الغالي والنفيس لخدمة هذا الانتماء وتمتين هذا الالتزام. وحين يتعرّض الوطن للخطر يصبح الخلاف في وجهات النظر السياسية في المقام الخلفي، وتوحيد جهود القوى السياسية الوطنية في المقام الأول بالنسبة له؛ وكان لا يتورّع عن النزول إلى الشارع إذا اقتضت الضرورة في سبيل الدفاع عن وحدة الوطن، والأمثلة على ذلك كثيرة في حياته.
لقد بدّى المواطنة على كل انتماء آخر، كيف لا وهو ابن الثورة السورية الكبرى التي كان شعارها "الدين لله والوطن للجميع". وكان يرى أنه لا بد من الاستفادة من تجارب الأمم وعلى الأخص الغرب الأوروبي الذي هدأت حروبه بعد أن قدّم المواطنة على الدين والمذهب.
كما دعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية، ولم تكن دعوته مجرّد دعوة لتعاضد الأديان والمذاهب والطوائف، إنما كانت نداء لاستنفار القوى الوطنية ووضع الجاهزية الوطنية في حالة الحركة بحيث تسبق هذه الجاهزية كل دعوة لموقف وطني متّحد.
أيها الأخوة،
إذا أردنا الحديث عن كل مناقب فقيدنا الغالي نحتاج إلى مجلّدات، ولست أدّعي القدرة على ذلك، ولكنني أدعو المهتمين بهذا المجال والذين يعرفون منصور الأطرش أن يعيدوا قراءة أفكاره ويضعوها في خدمة الأمة.
لقد غاب جسد منصور الأطرش عنا ولكن تراثه الفكري والاجتماعي مَعين باقٍ بين أيدينا يجب أن نغرف منه بوعي وفهم حتى نتابع مسيرة الحياة؛ ويجب أن نعلم أن الفراغ الكبير الذي تركه يعوّض بالعمل الدؤوب على زرع هذا التراث في ذاكرة الأجيال القادمة ورعايته وحمايته حتى يثمر جيلاً محباً للوطن، مؤمناً بالأمة وقدرتها على الصمود في وجه كل المخاطر المحدقة بها.
إن ما يحدق بالوطن من مخاطر تهدف إلى تفتيته والقضاء عليه وتحويله إلى دويلات وطوائف حتى يسود النموذج الاسرائيلي للدولة الدينية والمذهبية يحتاج إلى جهاد وجهاد، جهاد مع النفس وجهاد مع العدو، وأهم ما في هذا الجهاد هو نشر الوعي القومي والوطني عبر قراءة التاريخ، فهذا المشروع التفتيتي عُرِض على الشعب السوري سابقاً ورفضه وثار ضده حيث كان من أهم أهداف الثورة السورية الكبرى في العام 1925 هو توحيد البلاد السورية تحت شعارها الشهير؛ فمَن رفض أجداده وآباؤه هذا المشروع وبذلوا حياتهم في مقاومته في زمن ما، لا يمكن له أن يقبله في زمن آخر، والهوية القومية والوطنية هي هوية جيل الأحفاد والأبناء ولم تكن ولن تكون لهم إلا هذه الهوية. هذه هي مهمة الجيل الذي ورث منصور الأطرش، وأنا أدرك أنها مهمة صعبة وحملها ثقيل، ولكنها يمكن أن تتحقق بالفهم الصحيح لهذا الإرث والعمل المشترك لنشر وترسيخ المبادئ والقيم التي حملها منصور الأطرش. وهنا أحب أن أشير إلى أن أختي ريم قد بدأت بخطوة أولى وبسيطة على هذا الطريق وأنشأت موقعاً على الأنترنت لهذا الرجل العظيم.



في الختام أتوجه بالشكر لكل مَن ساهم معنا في إنجاح هذا الاحتفال التأبيني من أهل وأصدقاء، وأخص بالشكر الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية، والأستاذ محمد سعيد بخيتان الأمين القطري المساعد للحزب، والدكتور بسام جانبيه عضو القيادة القطرية، وإدارة مكتبة الأسد الوطنية الذين اقتدوا برئيس البلاد في تقديم كل ما يلزم لتكريم فقيدنا بما يستحق من تكريم: فشكراً لهم جميعاً.
أشكر حضوركم الكريم ومشاركتكم الصادقة النابعة من الوفاء لهذا الرجل العظيم.
وأشكر ضيوفنا من لبنان ولجان نصرة العراق من المحافظات السورية، وضيفنا الغالي من مصر العروبة.
لفقيدنا الرحمة ولكم حسن البقاء، والسلام عليكم.






















اقرأ أيضاً

إلى روح المرحوم منصور الأطرش في الذكرى السابعة لرحيله
رثاء
قالوا في رحيله:‏