سورية بين طوشتين: في منتصف القرن التاسع عشر والألفية الثالثة

عدد القراءات 2587
0000-01-00

بقلم : د. ريم منصور الأطرش

سورية بين " طوشتَيْن": في منتصف القرن التاسع عشر وفي الألفية الثالثة
د. ريم منصور الأطرش
في هذا اللقاء، سوف ألقي بعض الضوء على جزء مفصلي من تاريخ سورية، وأنا هنا أقصد سورية الطبيعية وأساسها الشام، الأم الكبرى. فالتاريخ أساس في حياة الشعوب، وللأسف الشديد، نحن لا نهتمّ به كما يجب، وإنْ اهتممنا به فبشكل سطحي، وذلك كأنْ نفصّله على قياس البعض منّا فقط؛ وهذا ما يجعل الناس، بشكل عام، يعيشون إحباطاً وشعوراً بالغبن نتيجة إهمال المناهج الرسمية لأجزاء هامة من تاريخهم، أو يعيشون اندهاشاً وعدم استيعاب لأمور خطيرة قد تحدث في منطقتنا.

قد يستغرب البعض هذا العنوان، لكني في هذا اللقاء، سوف أورد مقاربة سريعة يستطيع من خلالها المستمِع إجراء مقارنة بسيطة بين ما جرى في " طوشة" العام 1860 وما يجري اليوم في بلادي. سوف أعتمد هنا على ما قرأتُه في مراجع عديدة، أهمها كتاب بعنوان ( تاريخ الفنون والصناعات الدمشقية، تأليف يوسف توفيق بولاد، وترجمة زميلي في الجامعة السيد الياس بولاد، ونشر مطابع ألف باء الأديب في دمشق في العام 2003)، ومحاضرة ألقاها الياس بولاد في شباط من العام 2006 في قاعة المحاضرات في بطريركية الروم الكاثوليك في دمشق بعنوان ( هل كانت حوادث العام 1860 في دمشق ولبنان فتنة دينية أم مؤامرة سياسية غربية؟) إضافة إلى مراجع أخرى باللغة الفرنسية، سأذكرها في سياق هذا اللقاء، وما قمتُ به من بحث متواصل عن الحرير في سورية، والذي تمّ نشره تحت هذا العنوان ( الحرير في سورية: لواء اسكندرونة، سورية ولبنان) في وزارة الثقافة في دمشق في العام 1996 . تميّزتْ بلادي بصناعة النسيج بشكل عام والحرير بشكل خاص. دخل الحرير إلى سورية في القرن السادس للميلاد، وازدهرت صناعته في القرن السابع في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، الذي أنشأ معملاً لنسج الحرير في قصره في دمشق في العام 665 للميلاد، عُرِفَتْ منسوجاته بالطراز؛ أما مكانه فيُقال إنه بالقرب من قصر العظم في سوق البزورية حالياً. تابع العباسيون هذا النشاط في كلٍّ من حلب وصور وكانت الأنسجة الحريرية تُباع في الأسواق الأوروبية... البروكار والدامسكو هما من دمشق ومن تراث حِرَفها، ودور التراث عظيم في الحفاظ على شخصية الشعوب وتثبيت هويتها. في أثناء السيطرة المملوكية ثم العثمانية كانت دمشق تشتهر بإنتاج الحرير وكان يحاك منه أكثر من أربعين صنفاً. ذكر الإدريسي (وقد عاش بين عامَيْ 1100 و 1166 للميلاد) أن:
"دمشق كانت في عصره جامعة لصنوف من المحاسن وضروب من الصناعات وأنواع من الأقمشة الحريرية كالخز والديباج النفيس الثمين العجيب الصنعة والعديم المثال، والذي يُحمَل منها إلى كل بلد".
الآن، سوف أنقلكم إلى العام 1854 ، وأقرأ لكم ترجمة ما جاء في الصفحة 269 في ( قاموس الجغرافيا القديمة والحديثة، الفرنسي والمطبوع في باريس في ذاك العام، وهو من تأليف ميسّاس وميشلو - إصدار مكتبة هاشيت Dictionnaire de géographie ancienne et moderne par MM. Meissas et Michelot حول مدينة دمشق): " إنها المدينة الأكثر أهمية والأكثر تصنيعاً في المشرق. لقد أعطت اسمها للمنسوجات الحريرية التي يتسابق الغربيون على شرائها. كما أن هذه المدينة تعمل في تجارة السيوف الفولاذية ذات النصال القاطعة بامتياز والمنسوجات الحريرية الجميلة والأصداف وماء الزهر. تمرّ فيها القوافل التجارية باتجاه حلب وبغداد وتتجمّع فيها قوافل الحج".
لقد جَلَب الحرير إلى سورية، فوائد عدّة، إلا أنه جَلَب عليها مصائب كثيرة أيضاً. إذ إن الحرير في القرون الماضية، أي من القرن السادس للميلاد وحتى منتصف القرن التاسع عشر، شكّل نعمة وثروة، كانت عماداً للاقتصاد السوري، تشابه النفط والغاز حالياً في كلّ العالم. لكن، في حوالى منتصف القرن التاسع عشر، أصيبت دودة القز التي نستخرج منها خيوط الحرير بمرض خطير قضى عليها في أنحاء العالم، في فرنسا والصين بشكل خاص، وكانت فرنسا حينها تستورد نصف حاجة سوقها من الحرير الصيني، كذلك تستورد كامل الكمية الفائضة من إنتاج ورشات الحرير الدمشقية بعد تلبية هذه الورشات لحاجة السوق السورية المحلية، فوقع العالم في أزمة اقتصادية، وارتفعت أسعار الحرير بشكل جنوني في السوق العالمية ( Les Routes de la soie, par François Pernot, edition Artémis) - ص. 185 و 186 ). غير أن " دودتَنا الصامدة" بقيت سليمة معافاة في سورية ولبنان، ما فتح أعين الغرب، وفرنسا بالذات، كي تسعى من أجل الاستيلاء على نتاجنا السوري من الشرانق بأبخس الأثمان في سبيل تصنيع الحرير في الغرب وبيعه مرة أخرى لبلادنا بأعلى الأثمان، إذ كانت دمشق، قبيل العام 1860 تشكّل أكبر مركز صناعي لإنتاج الحرير والاتجار به عالمياً، إضافة إلى الصناعات النسيجية الأخرى. كيف السبيل إلى ذلك؟! كان لا بدّ من ترهيب السوريين الذين يعملون في حلّ الحرير وحياكته وتجارته، وهم كانوا في تلك الآونة من مسيحيي بلادي، وجعلِهم يتخلّون عن هذه الصناعة ويفرّون من سورية! إذ إن الصناعات الحريرية تمركزت آنئذٍ في الحي المسيحي في مدينة دمشق، وهو الحي الذي استُهدِف في طوشة 1860.
ما هي هذه " الطوشة"؟ لقد تآمر الغرب، ممثّلاً بقناصل فرنسا وإنكلترة والنمسا، مع السلطة العثمانية من أجل افتعال المذابح ضد صنّاع الحرير السوري لتهجيرهم، وهم الذين كانوا ممسكين بصناعة الحرير وتجارته في أغلبيتها. تمّ جلب غوغاء من داخل دمشق وخارجها، ودُفِعَت لقادتهم من " قبضايات الحارات سيئي السمعة" أموال هائلة، من شركات الحرير الفرنسية وغيرها، وطُلِب منهم، باسم " الدين"، ذبح دمشقيي القيمرية، وهي الجزء الصناعي والتجاري الهام من الحي المسيحي في دمشق، والتي كانت تدعى " الهند الصغرى" لِما فيها من حرير متنوّع قد لا يجد له المرء مثيلاً، وكله من الصناعة السورية الفاخرة. وهكذا كان... استُبيحَت القيمرية استباحة رهيبة: تدمير كامل للبنى التحتية وإحراق لورشات صناعة الحرير... ذبح للحرفيين وللتجار العاملين في صناعة الحرير، وسرقة لأموالهم وسبي لنسائهم وتفكيك لورشاتهم من أجل سرقتها ومن ثم إحلال الغرباء مكانهم، وتحويل ورشاتهم في ما بعد إلى دكاكين صغيرة لتصريف البضائع الغربية.
إذن، تمّ ضرب صناعة الحرير السورية وكذلك اللبنانية التي كان يمكن لها السيطرة على السوق الغربي بأكمله، أي بعبارة أخرى، تمّ تخريب الاقتصاد السوري، وتمّ قتل خير الصناعيين وتهجيرهم وجعل الاقتصاد اقتصاداً مستهلكاً بعد أن كان منتِجاً، وفتح السوق السورية على مصراعيها أمام البضائع الأجنبية. لقد تمّ القضاء على المنافِس الحقيقي للاقتصاد الغربي والاستحواذ على المادة الأولية الهامة وهي الحرير السوري. تمّ أيضاً بعد ذلك، في العام 1875، افتتاح فرعين، في سورية ولبنان لبنك Crédit Lyonnais وهو الذي لعب دوراً هاماً في ربط ما تبقّى من صناعة الحرير وتجارته في سورية بصناعة مدينة ليون الفرنسية. في ذاك الزمان، أي في القرن التاسع عشر، كان الحرير يمثّل ثروة حقيقية في العالم، وفي سورية تحديداً، من أجل قيام نهضة صناعية. أما اليوم، في الألفية الثالثة، فالمادة الأساسية لأي نهضة صناعية هي النفط والغاز. ألا يذكّركم هذا الأمر بشيء مشابه يحدث اليوم أيها السوريون؟!
في العام 1860 ، بلغ عدد سكان دمشق حوالى مئة ألف نسمة، منهم عشرون ألفاً من المسيحيين. في الحد الأدنى، قُتِل ستة آلاف مسيحي، وهُجِّرَ حوالى تسعة آلاف منهم، على ثلاث دُفُعات، ولم يبقَ في دمشق، على الأكثر، إلّا حوالى خمسة آلاف من المسيحيين، أي ما نسبتُه ربع السكان المسيحيين، وهذا ما أدّى إلى تغيير في الطابع الديموغرافي للمدينة وكذلك في الطابع العمراني! مَن بقي حيّاً من صنّاع الحرير وتجّاره من المسيحيين، جُمِعوا في قلعة دمشق بحماية الأمير عبد القادر الجزائري آنذاك ثم هُجِّروا، إلى بيروت، سيراً على الأقدام، حيث أُقيمَت لهم مخيّمات في حرج بيروت أو غابة الصنوبر، وهي الآن مقرّ السفارة الفرنسية في تلك المدينة: ( مذكرة تاريخية لشاهد عيان هو سليم حنّا بولاد، في كتاب تاريخ الفنون والصناعات الدمشقية المذكور آنفاً). استمرّت فرنسا بتقديم الطعام والخيام لهؤلاء المهجّرين لفترة طويلة من الزمن. من هؤلاء مَنْ بقي في لبنان، ومنهم مَنْ هاجر إلى مصر، فشكّلوا جالية " الشَّوام" هناك التي عملت، وما زال أحفادها يعملون في صناعة النسيج القطني المصري. ألا يذكّركم هذا الأمر بشيء مشابه يحدث اليوم أيها السوريون؟! أما في منطقة الميدان في دمشق، فلم يُمَسَّ مسيحيّوها لأنهم كانوا تجار حبوب ولا علاقة لهم بالحرير لا من قريب ولا من بعيد. قيل الكثير عن " فتنة دينية" في العام 1860 ، طيب، لو كان الأمر كذلك، لماذا لم يحدث الشيءُ ذاتُه في بقية الأحياء الدمشقية والمدن السورية؟ لأن الهدف على ما أعتقد هو تدمير المركز الصناعي والتجاري في دمشق، التي أدخل صناعيوها الرواد الأنوال الآلية، الجاكار، والتي دُمِّرَت أو نُهِبَت بالكامل، إذ كانت تنتج أنواعاً ممتازة من الحرير عالي الجودة وبأسعار معتدلة، ما جعل الحرير السوري مطلوباً عالمياً! سرقة النفط السوري اليوم ومحاولة السيطرة على الغاز الواعد على طول الساحل السوري، وإحراق البِنى التحتية وتخريبها وسرقة مصانع حلب وتدمير البنية العمرانية والتغيير الديموغرافي في الكثير من المناطق السورية وأوضاع مخيمات المهجَّرين السوريين: أليس ثمة من تشابه بين الحالتين أيها السوريون؟!
كانت هناك أيضاً ورشات لحلّ خيوط الحرير في سورية ولبنان لم يمسسها أيُّ سوء في أثناء طوشة 1860 وبقيت تعمل كالمعتاد، إذ إنها ملك لسادة فرنسيين:
( كتاب Les derniers évènements de Syrie 1860 , par François LENORMANT, Paris, Douniol, pages 28 - 29 : الحوادث الأخيرة في سورية في العام 1860 ): زار هذا الكاتب بعضاً من القرى اللبنانية، مثل حمّانا، ولاحظ دمارها الكامل ودمار ورشات الحرير فيها، عدا ورشتين لحلّ الحرير لم يلحق بهما أي أذى. حين سأل عن السبب، قيل له إنهما من أملاك السيد بيرتران الفرنسي وقد جاءت أوامر السلطة بحمايتهما وعدم المساس بهما!
أخيراً، وبعد تحقيق الأهداف من هذه المذبحة، أمر الباب العالي في السلطة العثمانية بإعدام والي دمشق آنذاك أحمد باشا دون محاكمة، وهو كان يرأس 600 عنصر من الأمن، وكان بإمكانه إغلاق الحي المسيحي بالكامل لحماية أهله بواسطة 50 عنصراً فقط، لكنه لم يفعل! وقد قيل إن تعيينه في منصبه هذا جاء بناء على مساعٍ لإحدى السفارات الغربية في استانبول ( كتاب نبذة مختصرة في حوادث لبنان والشام 1840 - 1862 : الفصل 26). كما تمّ إعدام حوالى 172 من القباضايات سيئي السمعة الذين قادوا الغوغاء في تلك المذبحة، أيضاً دون محاكمة، فدُفِنَت الحقيقة مع هؤلاء العبيد المأمورين! قبل " طوشة" 1860 ، كان صوت أنوال الحرير يُسمَع في أرجاء دمشق؛ أما بعدها، فلم يبقَ مَن يعمل على هذه الأنوال إلا كل " طويل عمر" وبعض العمال الغرباء عنها... ماذا نفعل، والحال هذه، بالشرانق؟ نبيعها طبعاً بأبخس الأثمان إلى التجار الفرنسيين وغيرِهم ليتم تصنيعها في معامل فرنسا الاستعمارية ليُعاد تصديرُها إلينا فنشتريها بأغلى الأثمان، وأصول تلك الأثواب الحريرية من شرانقنا التي صنعتها بدأب " دودة قزّنا" السورية!
ألا ترون معي أن هذه القصة تتكرّر في كل قرن؟! لماذا لا نستفيد من التاريخ وعِبَره؟! أنا لا أدري... ويا ليتني أدري! ففي العام 1915 ، أرسلت كلٌّ من غرفة تجارة ليون وغرفة تجارة مرسيليا رسالة إلى وزارة الخارجية الفرنسية تشجّعانها فيها على احتلال سورية ولبنان من أجل إلحاق سوق الحرير فيهما بسوق الحرير في ليون
( كتاب جيل الشجاعة للأستاذ نجاة قصاب حسن)... وهذا ما حصل بالفعل. جثم الانتداب الفرنسي على صدورنا فسرق شرانق الحرير بأبخس الأثمان وأعاد تصنيعها في ليون ليبيعها لنا بأغلى الأثمان، كما أنه ساهم في ضرب مواسم الحرير السوري بإدخال الحرير الصناعي الأرخص ثمناً إلى سورية ولبنان، فتراجعت صناعة الحرير في سورية. إضافة إلى سرقة الانتداب للذهب السوري( بقايا صور: رواية/حنا مينة، بيروت، دار الآداب ، 1978 ).
واليوم، تسعى الولاياتُ المتحدة الأميركية، والتي أسمّيها أنا " الويلات المتحدة" البربرية والهمجية، ومعسكرُها إلى تمكين مشروعِ الشرقِ الأوسطِ الكبير أو الجديدِ الذي يهدِفُ إلى تقسيم المنطقة ِ العربيةِ على أساسٍ طائفي ومذهبي، وتهجير بعض انتماءاتها؛ وقد بدأتْ بذلك في الزمن المعاصر في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وما زالت مستمرّة فيه في العراق، فتمثّل الأمر بتهجير المسيحيين منه تحت سمع وبصر الاحتلال الأميركي البغيض، وتقسيمه إلى أقاليمَ ثلاثة: كل ذلك من أجلِ جعل وضعِ الكيانِ الصهيوني طبيعياً، وهو الكيانُ القائمُ على أساسٍ ديني؛ وبالتالي إلغاء الطابَعِ العربي عن المنطقة، فيصبح وجودُ هذا الكيان طبيعياً. وأنا هنا أقول إنه ما من سبيل لبقاء الناس فـي أرضهم إلاّ الشعور بأن الوطن لجميع أبنائه، " يعني ما حدا على رأسه ريشة"، وبأن فرص الحياة الحرّة الكريمة مفتوحة أمامهم على مصراعيها، وهذا لا يتم إلاّ بالحرية والتنمية، وبترسيخ ثقافة تظهِر ما يجمع بين تنويعاتنا ودياناتنا وطوائفنا ومذاهبنا، وتؤكّد على أن الاختلاف هو تنوّع محمود وليس خلافاً حاسماً.
في الختام، أحب أن أروي لكم هذين الحدثين: الأول:
حين أنهيتُ البحث حول الحرير في سورية باللغتين العربية والفرنسية، حاولتُ نشره في المعهد الفرنسي للدراسات العربية IFEAD . جاءت من مدينة ليون خبيرة فرنسية في هذا الموضوع، تدعى إليزابيت كورنو، بناء على رغبة مدير المعهد من أجل تقييم هذا البحث، فأُعجِبَتْ به أيّما إعجاب، لكنها طلبت مني طلباً غريباً جداً: لقد أصرّت عليّ أن أحذف المقدمة والخاتمة من البحث. أما أنا، فقلتُ لها: إن الإبقاء على البحث دون مقدمة أو خاتمة يعني أنه بحث معلّق هكذا في الهواء وكأنه تحقيق صحافي بلا أي تاريخ!
كنتُ قد أوردتُ بعض هذه المعلومات التي استمعتم إليها منذ قليل لكنْ ليس بكل هذه التفاصيل لأني حينها، أي في العام 1994 لم أكن قد اغتنيتُ بها، إلا أن لمحات منها كانت موجودة بشكل خاص في المقدمة. رفضتُ طبعاً وقلتُ لها: " هذه المقدمة وتلك الخاتمة تحويان على تاريخ هام لا أستطيع حذفه. هل رأيتِ بحثاً دون مقدمة تاريخية؟!" أصرّت على موقفها كما أصرّ عليه وأيّدها السيد لانغاد مدير المعهد في تلك الفترة...
سحبتُ البحث من المعهد، فقامتْ وزارة الثقافة السورية مشكورةً بنشره بعنوان ( الحرير في سورية) في العام 1996 ؛ وقد تضمّن الكتاب نصي البحث بالعربية والفرنسية والصور التي التقطتُها بنفسي وقاموساً باللغتين الفرنسية والعربية يضم المصطلحات الهامة في صناعة الحرير.
هذا المعهد، الذي أصبح اسمه IFPO ( المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) نظّم في 5و 6 و7 تشرين الأول من العام 2011 مؤتمراً عن " طوشة 1860" بعنوان Histoire et Mémoires d'un conflit - تاريخ وذاكرة نزاع ( لاحظوا توقيت المؤتمر)، فاقترحتُ على المسؤولين عنه أن يُشرِكوا فيه زميلي الياس بولاد لأنه يستطيع الحديث عن شهادة لأحد أجداده، والتي أوردتُها هنا؛ رفض المعهد هذا الموضوع، وأصرّ عليه المسؤولون الفرنسيون عن المؤتمر كي يحذف كلمة " مؤامرة" من محاضرته؛ لكنهم، خجَلاً مني على ما يبدو، قَبِلوا استضافة السيد بولاد محاوِراً وضيفاً فقط، حتى لا أقول إن الفرنسيين لا يستمعون إلى رأي آخر مخالف لآرائهم! غير أنه حين عاد من بيروت قال لي إنهم لم يتيحوا له فرصة التحدث بكلمة واحدة! يا لهم من ديمقراطيين أحرار!

أما الحدث الثاني، فهي أوراق وجدتُها بخط سلطان باشا الأطرش، جدّي لأبي، كتب فيها الخواطر التالية في العام 1961 : " قالوا إننا قطفنا ثمرة جهادنا، ثمرة تلك الشجرة التي جدلنا ترابها بدمانا. كلا، إنّ هذه الثمرة لم تعقِد بعدُ؛ إنّ جهادنا لا يزال في دور الزهرة ولم يصبح بعدُ ثمرة، لأننا لا نريد قطفها ونحن مشتركون كلّنا كعرب .
أبناء الثورة وصغار الصحراء، هكذا نذرنا أنفسنا لنكون قرابين تضحّي على مذبح العروبة.
لن تثمر ما دامت أغصانها متلبّسة بالحشرات الفتّاكة... لن تثمر حتى يتعالى صوت فلسطين بالحرية ويزول شبح المطامع عن العراق ومصر وشرقي الأردن. فبعد ذا، يا حبذا ثمراً ناضجاً شهيّاً، رمزاً لأجيال حملوا مشعل الحضارة، ولن يخبو نوره بعد الآن."
في محراب هذا الكلام الجميل، آليتُ على نفسي في كلّ حياتي، أنا حفيدتَه، ألّا أُقدِم على أمر لا يرضى عنه هذا الإنسان؛ لذلك، فلن أستطيع أن أكون حيادية... فأنا أولاً مع مقاومة الاستعمار بكلّ أشكاله... وأنا مع فلسطين وتحررها حتى النخاع، وضد المعسكر الذي يقف مع الكيان الصهيوني... أنا أعشق هذا الإنسان الذي كتب تلك الكلمات وهو في سنه الثالثة والسبعين، ولن أسير إلّا على خطّه ونهجه! هو جدّي، هذا صحيح، ولكني أيضاً عرفتُه عن قرب وعرفتُ طيب سريرته وصدق نواياه وتسامحه مع الآخر وزهده. ظلّ حتى آخر يوم في حياته يحمل همّ الوطن وفلسطين والجولان، ساخطاً على العرب، في غالبيتهم، الذين بدا أنهم قد قرروا التفريط في الحقوق العربية المغتصبة، وهو ما نراه يجري الآن وسورية غارقة في ما هي فيه اليوم... كان أميناً، محِبّاً، صادقاً، مفعماً بروح الثورة والمبادرة في التاريخ.
هذا الإنسان الذي أدرك مبكراً مطامع الاستعمار في بلادنا العربية، وساهم بزخَم في الثورة العربية الكبرى 1916 - 1918 وكان له ولرفاقه من بني معروف شرفُ دخولِ دمشق ورفعِ العَلَم العربي على سراياها قبل الجيش الفيصلي بيومين، رفض بإصرار أيّ منصب سياسي في الحكومة الوطنية؛ كما أنه فعل الشيء ذاته بعد جلاء الاستعمار الفرنسي عن سورية في العام 1946 فرفض كلّ المناصب السياسية التي عرضها عليه أهل الحكم في دمشق ورفض بالقدر ذاته أيّ مقابل مادي. لم يكنْ يقول للسياسيين إلّا أمراً واحداً: " لا تفرّطوا في استقلال البلاد الذي دفعنا أرواحنا ثمناً رخيصاً له"، إذ إنه كان دائم التوجّس من المطامع الاستعمارية التي تأخذ ألف لبوس ولبوس. ووصيته السياسية، وهو الثائر الوحيد في سورية الذي ترك مثل تلك الوصية، تشهد على ذلك: " لتكن وحدتكم الوطنية وقوة إيمانكم وتراصّ صفوفكم هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء وطرد الغاصبين وتحرير الأرض. واعلموا أن الحفاظ على الاستقلال أمانة في أعناقكم بعد أن مات من أجله العديد من الشهداء (...) واعلموا أنّ ما أُخِذَ بالسيف، بالسيف يُؤخّذ (...) واعلموا أنّ التقوى لله والحب للأرض وأنّ الحق منتصر..."


الصور:
1- القيمرية مهدَّمة - تصوير فرانسوا بيدفورد 1862 .
2- الشارع المستقيم مهدَّم - المصوِّر ذاته في العام ذاته.
3- الحي المسيحي مهدَّم- المصوِّر ذاته في العام ذاته.



اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :