أمير البروكار الدمشقي

عدد القراءات 1307
2013-07-31

أمير البروكار الدمشقي
 
                                                                                  بقلم د. ريم منصور الأطرش
                                                                               31 / 7 / 2013
 
إنْ كان لقب ملك البروكار قد أعطاه الشعب السوري للمرحوم أنطون مزنر الذي أحيا هذه الصناعة الدقيقة والراقية في بدايات القرن العشرين وحتى ما بعد منتصفه، فإنني أعطي لنفسي الحق بمنح ابنه، العم مارسيل مزنر، رحمه الله، لقب " أمير البروكار الدمشقي". سمعتُ اليوم من صديقتي نايلة مسعود نبأ رحيله عن عالمنا هذا قبل يومين فقط، وهي التي كان لها كبير فضل في تقديمي إليه في العام 1992 حين كنتُ أُعِدّ بحثي ( الحرير في سورية) لصالح اليونسكو، والذي نشرتُه في كتاب صدر عن وزارة الثقافة السورية بهذا العنوان في العام 1996 .
رحل، إذن، " أمير البروكار الدمشقي" بعد أن حضر وشاهد بأم العين هدم معمله ومعمل والده
" الملك"، الكائن في منطقة باب شرقي في دمشق، والذي يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر. كان حرياً بمؤسسات بلادي أن تحافظ على هذا البناء المعمّر لأكثر من مئة عام كما تفعل البلاد التي تحترم تاريخها فتحافظ على كل تفاصيله!
 
التقيتُ بالعم مارسيل مزنر في معمله في دمشق ليحدثني عن تاريخ الحرير والبروكار بالذات، والرسومات التي ابتدعها والده، المستقاة من الحياة الدمشقية اليومية الغنية بالورود والنباتات والثمار الجميلة، إضافة إلى الرسومات التي تؤرّخ لأحداث جرت في التاريخ العربي - الإسلامي والعالمي: الوردة الدمشقية ( جزدان) والبندقة واللوزة والناعمة والشال والكشمير، وكذلك العاشق والمعشوق والفراشة ومعركة صلاح الدين وروميو وجولييت وجلسات الصفا في ألف ليلة وليلة، وغيرها الكثير. كان وهو يشرح لي كل هذا في غاية اللطف والتواضع والجديّة.
ثم، وبعد أن انتهيتُ من طرح أسئلتي عليه، سألني بمحبة بالغة عن أحوال أبي، إذ كان يعرفه جيداً وقد التقاه عدة مرات حين كان مسؤولاً في الدولة السورية في ستينيات القرن العشرين.
بعد ذلك، عرض عليّ أن أزور أقسام المعمل لألتقط الصور التي أرغب بالتقاطها، للآلات ولأتحدث إلى مَنْ أرغب من العمال: عرّفني إليهم وانسحب من المكان تماماً. شعرتُ حينها بثقة هذا الرجل الكبيرة بنفسه وبعمله وبعمّاله الذين حدثوني عنه بكل محبة وعرفان بالجميل، وشرحوا لي بسخاء وعملياً آلية العمل في المعمل.
 
لقد التقيتُ بالعم مارسيل عدة مرات في معمله، وفي كل مرة كان يزداد إعجابي به ومحبتي له وأشعر بتواضعه المتناهي: إنه تواضع العارف والمتقِن والمحِبّ لما يفعله.
كان يحمل في قلبه غصّة عميقة بسبب تراجع إنتاج الحرير في بلادي، وقد ألهمني حديثه الغني والواعي للأسباب والمشاكل التي تواجه الحرير إلى تقديم اقتراحات عديدة من أجل الإسهام في الحفاظ على هذه الثروة الوطنية.
 
ما زلتُ إلى اليوم، وبعد حوالى عشرين عاماً، أحتفظ بذكريات رائعة عن العم مارسيل مزنر وتفانيه في عمله بصمت ومثابرة لم أرَ لهما مثيلاً!
وما زلتُ أحتفظ كذلك بهدية منه، هي محفظة صغيرة جميلة من البروكار تحمل رسم الفراشة
( POP )، أتفاءل بها كلما حملتُها معي.
 
رحمك الله يا أيها العم مارسيل، فأمثالك أصبحوا نادرين في بلادي: أعطيتَ بسخاء جمالاً أصيلاً وما طلبتَ بالمقابل من أحد لا جزاء ولا شكورا.
 

اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :