رؤية الشاعر الفرنسي لامارتين للرسول العربي الكريم محمد‏

عدد القراءات 10153
2006-03-28

بقلم : بقلم وترجمة د. ريم منصور الأطرش


وُلِدَ الشاعر والصحفي والسياسي ألفونس دي لامارتين في منطقة ماكون، شمال مدينة ‏ليون في فرنسا، في العام 1790. وعاش في جوّ ريفي جميل ضمن عائلة أرستقراطية، وقد ‏أثّرت فيه والدته وأخواته البنات، فجاء هذا التأثير ليضيف عذوبة إلى حياته.‏
و درس في مدرسة اليسوعيين في بيلّي وتذوّق كتابات فرجيل وهوراس وقرأ شاتوبريان، ‏وكانت لديه حماسة دينية عارمة.‏
في العام 1814 عند سقوط الإمبراطورية، خدم ضمن حرس الملك لويس الثامن عشر ثم ‏استقال من هذا العمل بعد معركة واترلو.‏
وقد أوحت له تجربة حب مؤلمة بكتابة أحلى قصائده في مجموعته المعنونة (التأملات) في ‏العام 1820. حازت هذه المجموعة الرومانسية على إقبال جماهيري كبير؛ وهكذا أصبح ‏لامارتين بين ليلة وضحاها شاعراً مشهوراً جداً.ً وبعد ذلك عُيِّن ملحقاً للسفارة الفرنسية في ‏نابولي ثم تم تعيينه سكرتيراً للسفارة في فلورنسة في العام 1825. وحين قامت الثورة في فرنسا ‏في العام 1830، لم يُفاجأ بها لامارتين الذي كان يتطور فكره باتجاه الليبرالية.‏
منذ العام 1821، كان لامارتين يحلم بمشروع ملحمة شعرية يكتبها، ومن أجل هذا الهدف، ‏قرر زيارة الأماكن المقدسة في الشرق، أي مهد المسيحية؛ فزار مع زوجته وابنته اليونان ‏وفلسطين وسورية ولبنان. وفي طريق عودته إلى بيروت، فَقَدَ ابنته جوليا فعبرّ عن ألمه في ‏قصائده التي كتبها في العام 1834 . وقد كتب كتاباً بعنوان" الرحلة إلى الشرق" في العام ‏‏1835.‏
انتُخِب نائباً عن منطقة ماكون منذ العام 1833 وحتى العام 1851 وخلال هذه الفترة، ‏اعتُبِر من أهم خطباء عصره السياسيين، وقد رفض الانتماء إلى أي حزبٍ كان، وبدأ يتجه نحو ‏اليسار إلى أن جاءت الثورة في العام 1848، حيث كان يقف في صفوف المعارضة مطالباً ‏بإحلال الجمهورية. وانتخب بأكثر من مليون ونصف من الأصوات ليكون مديراً منفذاً في ‏الحكومة. إلاّ أنه حين رشّح نفسه لرئاسة الجمهورية لم يحصل إلاّ على 18000 صوت، مقابل ‏خمسة ملايين صوت للأمير نابوليون. وهكذا انتهت حياته السياسية بهذه الخسارة.‏
عاش حياته بعد ذلك في ضيق مادي كبير واضطر لبيع ممتلكاته؛ وقد اتجه للكتابات ‏التاريخية، ومنها تاريخ تركيا (1854-1855).‏
توفي الشاعر لامارتين في العام 1869 بعد مرض أصابهُ، فدفن في مدفن العائلة ‏المتواضع.‏

هذه مقدمة بسيطة عن حياة الشاعر ألفونس دي لامارتين الذي درسناه في قسم اللغة ‏الفرنسية في جامعة دمشق، ومن أشهر قصائده البحيرة ( ‏Le Lac‏) التي تصف بحيرة ليمان في ‏جنيف.‏
‏ قرأت في كتابه رحلة إلى الشرق (1835) وصفاً للبيوت الدمشقية، فتأثرتُ بهذا الوصف ‏الذي استطاع الدخول إلى عمق أعماق النفس الدمشقية. لقد استطاع أن يلتقط الحسّ الدمشقي الذي ‏كان يرفض الإفصاح عن الغنى المادي ليبقيه خاصته من أجل ألاّ يجرح شعور الفقراء. وهذا ‏طبعاً يمثّل جزءاً من روح التكافل الاجتماعي.‏
لهذا السبب بقي البيت الدمشقي متواضعاً من الخارج، وفي داخله فقط نجد اختلاف ‏المستوى الاجتماعي والمادي. وقد كتب لامارتين عن هذا : "إن البيوت الدمشقية مطلية بالطين ‏واللبن(...) وأبوابها متواضعة؛ أما حين دخلنا إلى بعض هذه البيوت(...)، دهشتُ من غنى ‏غرفها وأناقتها من الداخل. فبعد أن تدخل من الباب وتجتاز دهليزاً معتماً تجد نفسك في باحة ‏مزينة ببحرات رخامية يتدفق منها الماء(...)، تأتي السنونو والحمائم لتشرب منها بحرية، ثم ‏تستريح على حافتها".‏
‏ في الحقيقة، ما زلنا نخال أنفسنا في الجنّة حين نرى جمال باحات تلك البيوت ونبل ‏مفروشاتها... فالدمشقي لا يرغب بعرض غناه، وإنما يكتفي بالعيش فيه. ‏
لا شك أن هذا الشاعر الذي لامس روح مدينة دمشق، وهي أقدم عاصمة مأهولة في العالم، ‏استطاع بالطريقة ذاتها ملامسة روح شخصية الرسول العربي الكريم محمد. ولذلك، ارتأيتُ ‏ترجمة الصفحات الرائعة التي كتبها الشاعر ألفونس دي لامارتين في وصفه ووصف فكره ‏والثورة الاجتماعية التي قام بها، في كتابه "تاريخ تركيا"، وأحببتُ أن أترجمها في هذا الوقت ‏بالذات الذي نجد فيه اختلافاً كبيراً في مقاربة شخصية النبي محمد في أوروبا الحالية بذريعة ‏حرية التعبير وفي أوروبا في القرن التاسع عشر، ونموذج الشاعر لامارتين الذي مثّل هذه ‏المقاربة. إنها مقاربة إنسانية تحترم الرجال العظماء الذين أثّروا في الإنسانية جمعاء، دون النظر ‏إلى أصولهم أو دينهم، وتحترم من خلاله الشعب الذي يمثله، إذ إنه رمز للعرب والمسلمين. لقد ‏كان الرسول العربي الكريم محمد رجلاً لطيفاً ومتسامحاً. لم يختر الحرب بل فُرِضت عليه ‏الحروب، فدافع عن نفسه ودينه وشعبه. وحين انتصرت دعوته، قام بفتح مكّة سلماً ولم يحاول ‏الانتقام من كل مَنْ آذاه، فقال للناس بما معناه: "مَنْ دَخَل الكعبة فهو آمن ومَنْ دخل داره فهو آمن ‏ومَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن". وهذا إن نمّ عن شيء، فإنه ينمّ عن قلب كبير وتسامح عظيم. ‏وحين انتصرت دعوته، أشار إلى أصحابه بأن "الجهاد الأصغر" هو الذي انتهى وبدأ "الجهاد ‏الأكبر" وهو "الجهاد مع النفس" للارتقاء بإنسانية الإنسان؛ فهل حققت الثقافات كلها هذا الارتقاء ‏بالإنسانية؟ أم أن ما نشهده الآن من إبادة جماعية وانتهاك للإنسانية والشرعية الدولية في العراق ‏وفلسطين ويسكت عن كل ذلك العالم "المتحضّر" الذي يقدّس حرية التعبير هو الارتقاء ‏بالإنسانية؟!!!‏
لنستمع إلى الشاعر الرقيق العاطفة والمرهف الحسّ، لامارتين في وصفه للرسول العربي ‏الكريم محمد خلال القرن قبل الماضي. وإليكم ترجمتي لهذا النص الرائع، التي أرجو أن تصل ‏إلى مستوى النص الأصلي باللغة الفرنسية:‏

‏"ما مِن إنسان مثله قطُّ نَشَدَ، إرادياً أو‎ ‎لاإرادياً، هدفاً أكثر نبلاً من ذلك الهدف، طالما أنه ‏كان فوق طاقة البشر: ألا وهو هدم الخرافات المتوضعة عائقاً بين المخلوق والخالق، وإعادة ‏الله إلى الإنسان والإنسان إلى الله، وإعادة تأسيس الفكرة العقلانية والمقدسة للألوهية في ‏خضّم فوضى الآلهة المادية والمشوَّهة في عبادة الأوثان تلك.‏
‏" ما مِنْ إنسان مثله قطُّ، وبوسائل ضعيفة للغاية، قام بعمل لا يتناسب إطلاقاً مع قدرة ‏القوى الإنسانية، إذ لم يكن يملك وسيلة تساعده فيه إلاّ ذاته، سواء في المفهوم الفلسفي أو في ‏تحقيق مثل هذا المصير العظيم؛ وكذلك لم تساعده سوى حفنة من البدائيين على ناصية ‏الصحراء.‏
‏"أخيراً، ما مِنْ إنسان استطاع إنجاز ثورة حققت مثل هذا الانتشار الواسع في العالم ‏ودامت كل هذا الزمن، وذلك خلال فترة قصيرة جداً؛ إذ إنه وبعد أقلّ من قرنين على تبشيره ‏بالإسلام، انتشر الفكر الإسلامي التبشيري والجهادي وسيطر على مناطق الجزيرة العربية ‏الثلاث، وفتح، بوحدانية الله، بلاد فارس وخراسان وترانزوكسيان (أوزبكستان وبلاد ما وراء النهر) والهند الغربية ‏وسورية ومصر وإثيوبيا وكل القارة المعروفة في إفريقيا الشمالية وعدةَ جزر في البحر ‏المتوسط وإسبانيا وجزءاً من بلاد الغال (فرنسا).‏ 

"إذا كانت عظمة الهدف وضعف الوسائل والنتيجة الكبيرة التي تحققت هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الإنسان، فمن يجرؤ بعد الآن على إجراء مقارنة إنسانية بين رجل عظيم من التاريخ الحديث وبين النبي محمد؟!

إن أشهر الرجال العظماء لم يهزوا إلاّ الأسلحة والقوانين والامبراطوريات؛ ولم يؤسسوا    -حين أسسوا شيئاً ما- إلاّ قدرات مادية، غالباً ما انهارت قبل انهيارهم. أما هو فقد حرّك الجيوش والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والسلالات المالكة وملايين الناس في ثلث المعمورة؛ إلاّ أنه، بالإضافة إلى ذلك، قد زعزع الأماكن المقدسة والآلهة والديانات والأفكار والمعتقدات والأرواح.

لقد أسس على قاعدة القرآن الكريم، الذي أصبح فيه كلُّ حرف يشكّل قانوناً، هويّةً روحيةً تشمل شعوباً من كل اللغات والأعراق. وطبع بحروف لا تزول لهذه الهوية الإسلامية، الكرهَ للآلهة المزيفة وعشقَ الله الواحد وغير المادي.

كان هذا الانتماء لتلك الهوية الوطنية والذي انتقم للسماء من فعل تدنيسها، فضيلةًً لأتباع النبي محمد؛ وتمثلت معجزته بفتح ثلث الأرض باسم عقيدته، أو بالأحرى لم تكن معجزة شخص واحد، وإنما كانت معجزة العقل. كانت لفكرة وحدانية الله في ذاتها، المعلَنة خلال السَأْم من حكايات ولادة الآلهة وسلالاتها الأسطورية، الفضيلةُُ حين تفجّرت على شفتيه، فأحرقت كل معابد الأوثان القديمة وغمرت ثلث العالم بوميض نورها.

"هل كان هذا الرجل مدّعياً؟ إننا لا نظن ذلك، خاصة بعد أن قمنا بدراسة تاريخه. فالادعاء هو النفاق في العقيدة. وكما أن النفاق لا يملك قوة العقيدة، فإن الكذب لا يملك أبداً قوة الحقيقة.

"في الميكانيك، إذا كانت قوة القذف هي القياس الدقيق لقوة الدفع، فإن الفعل في التاريخ هو، بالطريقة ذاتها، قياس قوة الإلهام. فالفكر الذي يصل إلى مكانة جِدّ رفيعة وجِدّ بعيدة ويدوم لزمن طويل جداً، هو فكر قوي للغاية: ومن أجل أن يكون هذا الفكر بهذه القوة، يجب أن يكون غايةً في الصدق والثبات...

"إلاّ أن حياته وتأملاته في خلوته وتجديفَه البطولي على خرافات بلده، وجرأتَه في مواجهة حنق الوثنيين وثباته في تحمّله له خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة وقبوله القيام بدور يمثّل آنذاك فضيحة عامة، وحتى بدور الضحية بين مواطنيه ثم هجرته أخيراً، ودعوته المستمرة والحروب غير المتعادلة التي خاضها وثقته بالنجاح والنصر، وسكينته التي تفوق طاقة البشر في النكسات، وحِلْمه الصبور في النصر، وطموحه في تثبيت الفكرة فقط وليس في تحقيق الإمبراطورية بتاتاً، وصَلاته الدائمة، وحواره الصوفي مع الله، وموته ونصره بعد دفنه، كل ذلك يشهد على أن هذا ليس ادعاءً وإنما قناعة راسخة. لقد كانت هذه القناعة هي التي أعطته القدرة على إعادة تأسيس العقيدة. وكانت هذه العقيدة مزدوجة: وحدانية الله ولا ماديته: فالأولى تحدد ماهية الله، أما الثانية فتحدد ما ليس فيه؛ الأولى هزمتْ بالسيف الآلهةَ الكاذبةَ، والثانية دشنتْ بالكلمة فكرةً جديدةً!

"إنه فيلسوف وخطيب فصيح ورسولٌ ومشرّع ومحارب وفاتح لأفكار جديدة ومؤسس لعقائد عقلانية ولعبادةٍ دون صُور، ومؤسس لعشرين امبراطورية على الأرض ولامبراطورية روحية واحدة؛ هذا هو النبي محمد!

"فمَن نجد أعظم منه إذا ما قيس بكل مقاييس العظمة الإنسانية؟!"

 


(ألفونس دي لامارتين، تاريخ تركيا، 1، ص 276-280).

 



اقرأ أيضاً

أنا... لا أدري!!!
" ظمئ الشرق.... فيا شام " ...... آه !!!
رسالة للسيد(ثاباتيرو) رئيس وزراء إسبانيا
رد السيد( ثاباتيرو)على رسالتي
سلطان باشا الأطرش .... عذراً
إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع
دروس مسفوحة!
من قرطاجة إلى بغداد
متحف للأمم المتحدة
"أتلانتيد"… القارة المفقودة !

ط¸ظ¹ط¸â€¦ط¸ئ’ط¸â€ ط¸ئ’ ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط¸â€ ط·ع¾ط¸â€ڑط·آ§ط¸â€‍ ط·آ¥ط¸â€‍ط¸â€° ط·آ§ط¸â€‍ط·آµط¸ظ¾ط·آ­ط·آ§ط·ع¾ :